عشق لا يضاهى الفصل السادس
وكأن كلماتها لم تكن أكثر من همسات تذروها الرياح.... حتى ذلك اليوم الذي وصلت إليها فيه رسالة من سارة قلبت عالمها رأسا على عقب... وكان فحواها
السيد خليل حدد موعد الخطبة الخامس عشر من هذا الشهر... أمامك أربعة أيام فقط.... استعدي جيدا وأريدك أن تكسبين قلب زوجك المستقبلي هذه المرة.... هل فهمت
قرأت سيرين الرسالة وعيناها مليئتان بالحيرة والصدمة وفي داخلها امتزجت مشاعر متناقضة بين الڠضب والانكسار المشوب بالرفض. لم يكن هذا مجرد يوم عابر في
حياتها كان اليوم الذي ستودع فيه فاطمة أمها التي لم تنجبها بل واليوم الذي ستضع فيه أيضا نهاية لعلاقتها بظافر رسميا.
لكن الأقدار لعبت لعبتها القاسېة ذلك التاريخ الذي اختارته لإنهاء حياتها اختير أيضا ليكون بداية لكابوس جديد.
الخۏف من النسيان دفعها لتدوين تفاصيل تلك الأيام في دفتر ملاحظاتها وكأنها تحاول أن تحتفظ به في ذاكرتها خوفا من الضياع.
جلست سيرين في غرفتها الصامتة وأمسكت بالقلم وراحت تكتب وصيتها... تدفقت الكلمات بصعوبة وكأنها تعكس ثقل قلبها... وبعد أن انتهت وضعت الرسائل التي خطتها إلى فاطمة وكارم تحت وسادتها ثم أغلقت عينيها تنتظر يوم الغد وما يحمل بين طياته من أقدار غامضة.
إنه الرابع عشر من شهر مايو... يوم كئيب لا دفء به وكأن السماء قد أرادت أن تفرغ ما في جعبتها من حزن متراكم إذ انهمرت الأمطار بغزارة بعد ثلاثة أيام من السكون الثقيل.
كان هاتف سيرين مستقرا على طاولة القهوة يرن بلا توقف... اسم سارة يضيء الشاشة مرارا وتكرارا وكأن إلحاحها كان يناديها أكثر من صوت رنين الهاتف نفسه... واتتها رسائل من تلك الجاحدة التي كانت تسألها عن مكانها بل وتتوسل حضورها... فغدا سيقام حفل الخطبة وبالطبع كانت سارة تريد عودة سيرين إلى المنزل حيث كل شيء جاهز لاستعدادها للارتباط ب خليل لكن سيرين لم تجب لا على المكالمة الأولى ولا العشرين... ولا حتى على رسائل سارة النصية فقد كانت تتجنب الحديث وكأن الكلمات وحدها قد تجرها إلى واقع لا تريده.
في ذلك اليوم ارتدت سيرين فستانا أرجوانيا بدا وكأنه يحاول إحياء ألوانها الشاحبة.... زينت وجهها بمكياج خفيف لكن عينيها الخاويتين ظلتا تفضحان روحا منهكة.
وقفت سيرين أمام المرآة تنظر إلى انعكاسها الذي بدا وكأنه صورة ضبابية من الماضي.
تذكرت يوم زفافها ب ظافر في مشهد معاد... نفس النظرة نفس الشحوب نفس الشعور... كانت اللحظة مشبعة بذكريات ټخنقها أكثر مما تعزيها.
بعد أن سحبت سيرين نفسا عميقا خرجت من المنزل دون تردد واستقلت سيارة أجرة وهي لا تعرف وجهتها بوضوح لكنها وجدت نفسها أمام المقاپر.
زفرت سيرين أنفاسها الضائعة تتأمل بتيه المطر الذي ما زال يهطل غزيرا باردا... حملت مظلتها ونزلت بخطوات بطيئة وكأنها تخشى خطاها على الأرض أكثر من مواجهة المۏت نفسه.
تقدمت نحو قبر والدها ووضعت وردة بيضاء أمام شاهده الرخامي ووقفت للحظات صامتة كأنها تنتظر أن يبدأ هو بالكلام.
أبي... همست بصوت متهدج كأن الكلمات تثقل عليها أكثر من المطر.
الرياح تعصف من حولها تختلط بصوت أنفاسها المتقطعة ونقر قطرات المطر على المظلة كان هو الصوت الوحيد الذي يكسر السكون.
أنا آسفة... قالت بصوت مبحوح وهي تشعر بالبرد يحف قلبها قبل جسدها.
لم أكن أرغب في المجيء إلى هنا لكنني لم أجد مكانا آخر
أهرب إليه... أعترف أنني جبانة.. أبي إنني خائڤة من مواجهة الحياة وحدي لهذا السبب جئت إليك... يمكنك الصړاخ في وجهي إن أردت لن ألومك.
ثم جلست بجانب القپر تضم ركبتيها إلى صدرها وكأنها تحتمي من كل
ما يطاردها... ظل المطر يغمرها بفيض ولكنها لم تفرق بين قطراته ودموعها.
صمت السماء يناديها وسيرين تواجه حطامها الداخلي.
فتحت سيرين هاتفها بيدين متوترتين وكأنها تفتح بوابة إلى واد من الأشواك.
أخذت نفسا عميقا وبدأت تقرأ كل رسالة نصية وردتها من سارة... رسائل كانت أشبه بخناجر مسمۏمة تنغرس في روحها واحدة تلو الأخرى.
سيرين! هل تظنين أن بإمكانك الهروب من الحقيقة إلى الأبد لقد أخذ أخوك المال بالفعل من السيد خليل... السيد خليل ليس مجرد رجل عادي تعقلي فلديه سبل ووسائل لتحصيل ما يريد... هل تعتقدين أنه سيتغاضى عن الأمر
من الأفضل أن تظهري الحكمة وتوافقي على الزواج منه غدا كفتاة مطيعة... فهذا أفضل من أن يجبرك على ذلك بالقوة بعد أن يعثر عليك! الشخص الحكيم دائما ما ينحني للعواصف ليحمي نفسه من الانكسار.
انتهت سيرين من قراءة الكلمات التي تساقطت على قلبها كالجمر وأغمضت عينيها للحظة طويلة وكأنها تبحث عن ذرة شجاعة بين حطامها.
لم تجد سيرين ما ترد به على سارة سوى رسالة مليئة بالأسى
لا أريد العودة إلى المنزل الآن... يمكنكم أن تأتوا غدا لتأخذوني من الضواحي الغربية... سأنتظركم أمام قبر أبي.
لم تكترث سارة كثيرا برسالة ابنتها إذ ظنت أن سيرين قد استسلمت أخيرا فلم تكلف نفسها عناء الرد... لكن الحقيقة كانت مختلفة... سيرين لم تكن مستسلمة بل كانت تحاول أن تلتقط أنفاسها الأخيرة من السلام وسط عاصفة حياتها... جلست في صمت تتأمل كل شيء مرت به في الآونة الأخيرة غادرها النهار بلوم وكأنه شريط قديم يتكرر بلا صوت.... ومع حلول الليل أخرجت سيرين من حقيبتها تمثالا خشبيا صغيرا نحته لها والدها عندما كانت طفلة... كان التمثال أشبه بمرآة تعكس وجها غاب عنه الفرح منذ زمن.... احتضنته كمن يحتضن ذكرى أصبحت رمادا وحمت جسدها النحيل من المطر الذي بدأ يتساقط بغزارة وكأن السماء تبكي معها ناعية حظ تلك المسكينة.
كانت الثواني ثقيلة أشبه بالدقائق والدقائق مرت كساعات حتى دقت ساعة منتصف الليل وكأنها تعلن عن دخولها عتبة أخرى من الألم... لقد أصبح الخامس عشر من مايو حقيقة جاء ومعه مرارة تشكلت بحلقها تزداد كلما نظرت إلى السماء المظلمة التي بدت بلا نهاية.
عند الثالثة صباحا مدت سيرين يدها المرتجفة إلى حقيبتها وأخرجت زجاجة صغيرة من الحبوب تنظر إليها بعينين غائمتين وكأنها ترى في كل حبة منها نهاية لمعركة خاضتها وحدها مع عالم لم يترك لها خيارا.