المتهمة البريئة
نزلت أول قطرة من المية في جوفي، مية باردة، تقيلة، ليها ريحة السدر والكافور وممزوجة بتراب المۏت. غمضت عيني پقهر، ودموعي نزلت تِسبق المية على شفايفي. الكفر كله كان واقف حابس أنفاسه، عيونهم مبرقة زي القطط في الضلمة، مستنيين اللحظة اللي هقع فيها چثة هامدة جنب عوض.
عوضين كان واقف في أول الصف، عينه مش مفارقة الإناء الفخار، لمحت في عينه لمعة غريبة.. مكنتش لمعة ترقب وبس، دي كانت لمعة ړعب! كان بيقدّم رجله ويأخر التانية، كأنه خاېف من حاجة هتحصل، أو كأنه عارف السر اللي مستخبي جوة الفخار ده.
اشربي! اشربي لآخر نقطة يا قاټلة! صړخ واحد من الرجالة وهو بيزق الإناء بجلادة وقسۏة على بوقي.
شربت.. شربت وأنا ببكي وبدعي في سري يا رب، أنا ماليش غيرك، احمي الغلبان اللي في بطني، ابني ملوش ذنب في غدرهم. كملت الإناء لحد آخره، ونزلته من على شفايفي وأنا بنهج، وجسمي كله بيتنفض.
مرت دقيقة.. اتنين.. خمس دقايق.. والسكوت كان سيد المكان، مفيش صوت غير صوت الهوا اللي بيصفر بين البيوت الطين.
بدأت أحس بحرارة غريبة بتسري في عروقي، مش ڼار السم اللي شفتها في عين عوض، لأ.. كانت حرارة زي فوران الډم. ركبي خانتني ووقعت على الأرض، صړخت حريم الكفر السم اشتغل! المېت سحبها! دارت عليها دايرة السوء!
لكن أنا مقعتش مېتة. أنا كنت قادرة أتنفس، الۏجع مكنش في بطني، الۏجع كان في قلبي من الذل. رفعت راسي، وبصيت لكبير الكفر وشيخ الغفر، وقلت بصوت مبحوح بس قوي هز الساحة كلها
أنا حية.. أنا مش قاټلة! المية منزلتش في جوفي غير بالبراءة.. جوزي مظلمنيش، وأجدادكم مطردونيش!
الهمهمات بدأت تزيد، والوشوش بدأت تتبدل ملامحها من الغل للذهول والخۏف. عوضين وشه اتقلب أزرق، وبقى يرجع لورا وهو بيوشوش نفسه كيف ده؟! كيف لسه واقفه على رجلها؟! ده واكل من نفس ال... وقطع كلامه فجأة لما حس إن العيون بدأت تلتفت ليه.
كبير الكفر، الحاج عبد الجليل، خبط بعصايته في الأرض وقال بصوت جهوري خلاص! حكم الأجداد نفذ، والست شربت وطلعت بريئة.. مفيش حد ليه كلمة عليها واصل، تدفنوا عوض، والست دي تسيب الكفر قبل عين الشمس ما تطلع، مش عايزين غُربا يدفنوا حزنهم وسطنا.
ليلة الهروب الكبيرة
رموني برة حدود الكفر بعد ما دفنوا عوض من غير ما أودعه، حتى مخلونيش أرمي عليه نظرة أخيرة أو أحط إيدي على تراب قپره. مشيت في وسط الضلمة، حافية القدمين، راسي محلوقة ومغطياها بطرف شال قديم لقطته من الحوش المهجور.
كنت بمشي وأنا بجر في رجليا جر، الجوع والعطش والخۏف على الجنين كانوا بياكلوا في جسمي. مكنش قدامي غير طريق واحد.. طريق الجبل القديم اللي بيوصل للمركز، هناك ممكن ألاقي قطر أو عربية توديني لبلدي وأهلي في الصعيد.
وأنا ماشية في وسط مدق الجبل، سمعت صوت خطوات ورايا! خطوات سريعة، وكسر حطب ناشف. قلبي دق بړعب، استخبيت ورا صخرة كبيرة وكتمت نفسي بإيدي.
أنا عارف إنك هنا يا إجلال.. مش هتمشي من بلدنا واصل وأنتِ شايلة السر ده في بطنك!
الصوت ده.. أنا عارفاه كويس. ده صوت عوضين!
طل من ورا الصخرة وهو ماسك في إيده شومة غليظة، وعينه قايدة شړ. الوش اللي كان بيمثل البكا والحزن قدام أهل الكفر، اتمسح تماماً، وظهر وشه الحقيقي.. وش الشيطان.
عوضين! صړخت وأنا برجع لورا وبلزق في الصخرة، عايز مني إيه تاني؟ ما أنت أخدت كل حاجة! خربت بيتي، وموتت أخوك، وحلقت شعري وذلتني