المتهمة البريئة
المحتويات
كله هيدفع تعويض عن الذل والمهانة اللي شافتها الست دي وهي في حمايتي!
جريت رجالة الكفر على عوضين وعبد الجليل، كتفوهم ب الحبال ب نفس الطريقة اللي كتفوني بيها، وسحلوهم برة المضافة وهم بيصرخوا ويتوسلوا.. بس مكنش فيه رحمة ل الخونة.
وقفت في حوش المضافة، وأنا حاطة إيدي على بطني، ودموع الفرحة والراحة نازلة على وشي. البراءة ظهرت، وحق جوزي رجع، والدرع اللي كنت فاكرة إني خسرته ب مۏت عوض.. ربنا عوضني بيه في شهامة الهواري وناسه.
بص لي الهواري وقال ب الأدب ارتاحي يا ست إجلال.. انهارده نامي وأنتِ مطمنة. ابن عوض هيتولد في عِز وأمان، والأرض اللي غسلوها ب الدموع.. بكرة تخضر وتطرح خير.
مرت الشهور على الليلة المشهودة في مضافة الهواري كأنها دهر كامل، لكنها كانت شهوراً تحمل في طياتها السکينة التي افتقدتها لسنوات. لم يتركني الهواري ولا والدته الحاجة آمنة لحظة واحدة. عشت في كنفهم معززة مكرمة، ورغم أن شعري الذي حُلق غصباً بدأ ينمو من جديد ويزين رأسي، إلا أن الچرح الذي في قلبي كان يحتاج لوقت أطول كي يبرأ.
في البندر، كانت العدالة تأخذ مجراها ببطء ولكن بثبات. تقرير الطبيب الشرعي جاء ليؤكد كل كلمة قالها الهواري؛ چثة عوض كانت تحتوي على نسب عالية من سم الفئران الأسود. ومع شهادة الخواجة صاحب الدكان وتضييق الخناق على عوضين في التحقيقات، انهار الأخير واعترف بكل شيء. اعترف كيف خطط، وكيف اشترى السُم، وكيف استغل جهل أهل الكفر وعصبيتهم ليقضي عليّ وعلى أخيه في آن واحد، بمباركة وتغطية من شيخ الغفر عبد الجليل الذي طمع في نصف الأرض.
صدر الحكم التاريخي من محكمة الجنايات الإعدام شنقاً لعوضين جزاء غدره بأخيه، والسجن المؤبد لشيخ الغفر عبد الجليل ليكون عبرة لكل من تسول له نفسه ظلم الأبرياء واستغلال مناصبهم.
رغم صدور الحكم وظهور براءتي أمام الدنيا كلها، إلا أنني لم أبتسم. كانت عيني دايماً تتوجه نحو بطني التي كبرت، وأقترب موعد وضع الجنين. كنت أقول لنفسي بأي وجه سأقابل ابن عوض؟ كيف سأخبره أن عمه هو من قتل أباه، وأن أهل بلده أهانوني؟.
ليلة المخاض والوعد الصادق
في ليلة شاتية من ليالي شهر طوبة، اشتد عليّ الۏجع. شعرت بنيران تمزق أحشائي، وحرارة تجتاح جسدي. لم تكن هذه النيران نيران السم الذي سقوني إياه، بل كانت نيران المخاض، نيران ولادة أمل جديد من رحم الظلم.
تجمعت حولي الحاجة آمنة والداية التي أحضرها الهواري مخصوص من البندر لضمان سلامتي. كنت أصرخ بملء صوتي، والدموع تنساب على خدودي، وفي كل صړخة كنت أذكر اسم عوض.
شدي حيلك يا إجلال! قاومي يا بنتي عشان خاطر الواد! كانت الحاجة آمنة تكبر فوق رأسي وتمسح جبهتي بالمياه الباردة.
خارج الغرفة، في حوش المضافة الواسع، كان الهواري يذرع الأرض جيئة وذهاباً، ممسكاً بسبحته الخشبية، وصوت تمتمته بالدعاء والاستغفار يصل إلى مسمعي عبر الشقوق. لم يكن مجرد حامٍ، كان يتصرف كأخ كبير يستقبل مولوداً جديداً لعيلته.
ومع أذان الفجر، ومع صړخة قوية انطلقت من حنجرتي، سُمع صوت بكاء رفيع وصغير.. صوت طفل يلعن الظلم ويستقبل النور.
بسم الله ما شاء الله! ولد كأنه فلقة قمر! صاحت الداية وهي تلف الصغير في شال أبيض نظيف وتضعه في حضڼي.
نظرت إليه.. كان يشبه أباه عوض بشكل لا يصدق. نفس الملامح السمرة الهادية، ونفس الجبهة العريضة. بكيت بدموع حارة، ووضعت شفتي على جبينه الصغير الصافي، ووشوشته
نورت الدنيا يا قلب أمك.. هسميك عوض.. هترجع تعيش اسم
متابعة القراءة