أكل الكلاب هدية عيد الميلاد

موقع أيام نيوز

الحاج شاكر لم يكن مجرد رجل مسن بلغ السبعين من عمره، بل كان خزانة متحركة من الذكريات والخبرة والحسابات الدقيقة التي لا تخطئ أبداً. طوال أربعين عاماً، قضى عمره محاسباً قانونياً يزن الكلمة والقرش بميزان الذهب، ويبني بيته طوبة فوق طوبة مع رفيقة دربه الراحلة فاطمة، التي تركت برحيلها غصة في قلبه لم تندمل طوال تسع سنوات كاملة. في صباح يوم سبته المجيد، وهو يوم عيد ميلاده السبعين، استيقظ الحاج شاكر وفي قلبه أمل صغير لم يمت بعد، أمل في أن يرى في عين ابن بكره باسم ذرة من العرفان أو الود، فدخل المطبخ بنفسه والۏجع ينهش عظامه، وأعد طعام العشاء بيديه المرتجفتين؛ طهى الفراخ المحمرة والرز بالخلطة والسلطات والبطاطس، وذهب بنفسه ليرتاد ذلك المخبز القديم الذي كانت تحبه فاطمة ليشتري تورتة بسيطة، متخيلاً أن الليلة ستشهد جلسة عائلية دافئة يعود فيها باسم إلى رشده ويقول له كل سنة وأنت طيب يا بويا. غير أن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن العجل العجوز، إذ صعد إلى غرفته لينال قسطاً من الراحة بعد جهد الطهي الشاق، ليستيقظ على أصوات صخب وضحكات هستيرية تهز أركان البيت، وعندما نزل الدرج بخطوات وئيدة ووقف على باب غرفة السفرة، تسمر في مكانه من الصدمة؛ فقد كان هناك أكثر من عشرين شخصاً من الغرباء، قرايب وجيران وأصحاب لباسم وزوجته ميرفت، يأكلون بنهم من الطعام الذي اشتراه وطبخه بعرقه، ولم يكلف أحد نفسه عناء ندائه، بل الأعظم من ذلك أن باسم كان يجلس بخيلاء في مقعد والده على رأس السفرة، وميرفت تتبوأ مقعد الراحلة فاطمة. وحين حاول الحاج شاكر كسر الجمود بابتسامة باهتة قائلاً بدأتم من غيري؟، حل صمت ثقيل قبل أن يطلق باسم ضحكة ساخرة متهكمة قائلاً معلش يا بابا.. نسينا إنك فوق أصلاً، أنت بقيت هادي وساكت كأنك مش موجود وسطنا، ليتبعه بعض الحضور بضحكات مكتومة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد من الجحود، بل اندفع باسم إلى المطبخ وعاد يحمل طبق الكلب ركس الذي ماټ وانقضى ذكره منذ سنوات، وملأه ببعض الأكل الناشف، ثم رماه بوقاحة وازدراء عند رجلي والده العجوز أمام الجمع قائلاً أهو.. أكل للعالة اللي م بيدفعوش حاجة في البيت ده.. بما إن الكل هنا مشارك بلقمته إلا أنت!.
في تلك اللحظة القاټلة، تجمدت الډماء في عروق الحاج شاكر وهو ينظر إلى طبق الكلاب، ثم إلى ابنه الذي رباه بدم قلبه، ثم إلى ميرفت التي كانت توثق المشهد بهاتفها وتضحك قائلة فكها يا حاج شاكر.. ده هزار، وبعدين باسم عنده حق، أنت قاعد هنا ببلاش ومش بتدفع مليم. وقعت الكلمات كالصواعق على رأس الرجل الذي دفع ثمن هذا البيت من قوته وقوت شبابه، وعاش فيه أربعين عاماً يدير كل تفاصيله ويتحمل كل مصاريفه، من طعام وفواتير كهرباء ومياه واشتراكات، وحتى مصاريف سيارة باسم ونفقات ميرفت الشخصية التي تسميها طوارئ؛ لكنه لم ېصرخ ولم يفتعل شجاراً، بل ساد جأشه هدوء غريب ومخيف، فالتقط الطبق المهين من على الأرض، وخرج بخطوات ثابتة ليرميه في سلة المهملات بالخارج، ثم صعد إلى غرفته وأغلق الباب بالمفتاح، تاركاً خلفه صوت باسم وهو ېصرخ كذباً ومفاخرة أمام ضيوفه كلوا يا جماعة.. أنا اللي دافع تمن الأكل ده كله!. جلس الحاج شاكر أمام شاشة حاسوبه المحمول، وعقله المحاسبي يعمل بأعلى طاقة ممكنة، فهو الرجل الذي لم يفرط يوماً في

تم نسخ الرابط