أكل الكلاب هدية عيد الميلاد

موقع أيام نيوز

يدير كل تفاصيله ويتحمل كل مصاريفه، من طعام وفواتير كهرباء ومياه واشتراكات، وحتى مصاريف سيارة باسم ونفقات ميرفت الشخصية التي تسميها طوارئ؛ لكنه لم ېصرخ ولم يفتعل شجاراً، بل ساد جأشه هدوء غريب ومخيف، فالتقط الطبق المهين من على الأرض، وخرج بخطوات ثابتة ليرميه في سلة المهملات بالخارج، ثم صعد إلى غرفته وأغلق الباب بالمفتاح، تاركاً خلفه صوت باسم وهو ېصرخ كذباً ومفاخرة أمام ضيوفه كلوا يا جماعة.. أنا اللي دافع تمن الأكل ده كله!. جلس الحاج شاكر أمام شاشة حاسوبه المحمول، وعقله المحاسبي يعمل بأعلى طاقة ممكنة، فهو الرجل الذي لم يفرط يوماً في ورقة أو إيصال أو كشف حساب، وبدأ يغوص في الملفات الرقمية والتحويلات البنكية ليلغي كل الصلاحيات والتحويلات الدورية، ويغلق جميع الكروت الائتمانية التي كان باسم وميرفت يستنزفانها دون حياء، وفي أثناء غرقه في فحص الأرقام الممتدة عبر الشهور الأخيرة، لمعت أمامه عملية سحب ضخمة جداً، تفوق كل التوقعات، وكان السحب قد تم بتوقيع وصلاحية رقمية تابعة لميرفت عبر توكيل بنكي قديم كان الحاج شاكر قد منحه لابنه في ظروف مرضه السابقة، واستغلته الزوجة بذكاء وشيطنة.
لم تكن تلك العملية مجرد سحب عادي لعشرين أو ثلاثين ألفاً، بل كانت قرصنة منظمة وممنهجة سُحب من خلالها مبلغ مليوني جنيه مصري دفعة واحدة، وهو الجزء الأكبر من مكافأة نهاية الخدمة ومدخرات العمر التي كان الحاج شاكر يخبئها لغدر الزمن؛ وهنا انقشع الضباب عن عينيه وعلم أن الأمر يتجاوز عقوق الوالدين وقوق الشفقة إلى چريمة سړقة وتزوير مكتملة الأركان، حيث كان باسم وميرفت يخططان للاستيلاء على ما تبقى من ثروته العقارية والمالية ليتخلصا منه نهائياً بإيداعه في إحدى دور الرعاية، مستغلين طيبته وسكوته المستمر. ومع تباشير الفجر الأولى، لم يذق الحاج شاكر طعم النوم، بل اتصل فوراً بمدير البنك وصديق عمره الأستاذ جلال، وبالمحامي الجنائي المخضرم الأستاذ رفعت، وطلب منهما الحضور إلى البيت فوراً بصحبة قوة تنفيذية ودعوى إثبات حالة، كاشفاً لهما عن تفاصيل الچريمة المالية. وعند الساعة السابعة صباحاً، وبينما كان باسم وميرفت يغطان في نوم عميق بعد سهرتهما الصاخبة، استيقظا على صوت طرقات عڼيفة على باب الفيلا، ليجدا الحاج شاكر واقفاً في الصالة بكامل أناقته الرسمية وبدلته القديمة، وخلفه المحامي ورجال الشرطة والأستاذ جلال يحمل كشوفات الحساب الرسمية المختومة؛ فنزل باسم مذعوراً يفرك عينيه وهو يصيح في إيه يا بابا؟ مين الناس دي على الصبح؟، ليرد عليه الحاج شاكر بصوت هادئ كجليد الشتاء الناس دي جاية تحاسب العالة الحقيقي اللي عايش في البيت ده ببلاش وبيسرق فلوس أبوه. حاولت ميرفت التدخل بصلفها المعهود وصړاخها لإثارة الفوضى، لكن المحامي رفعت واجهها فوراً بإيصالات السحب البنكية والتحويل المزيف المستند إلى التوكيل الملغى قانوناً منذ ستة أشهر بسبب تحديثات الأهلية، مما يجعل عملية السحب جناية تزوير وسړقة يعاقب عليها القانون بالسجن المشدد.
سقطت الأقنعة تماماً في تلك الصبحة الرهيبة، واڼهارت ميرفت باكية تتوسل للحاج شاكر ألا يسجنها، بينما وقف باسم مذهولاً لا يستوعب كيف تحول والده الطيب المستسلم إلى قاضٍ جلاد يحمل في يده وثائق دمارهم الشامل؛ حيث تبين من المواجهة أن ميرفت سحبت المبلغ لتشري به شقة فاخرة باسمها وباسم شقيقها في تجمع سكني جديد، تاركة باسم بلاحول ولا قوة، بل إنها كانت تخطط للهرب وترك الابن يواجه مصيره مع والده بعد إفراغ الحسابات تماماً. ولم يكتفِ الحاج شاكر بكشف السر
المالي، بل قدم لعقيد الشرطة قرار طرد مستعجل من النيابة العامة لعدم قانونية إقامتهم في العقار المسجل باسمه وحده، وأمر الحراس بإخراج حقائب باسم وميرفت وملابسهم وإلقائها في الشارع أمام الجيران وأصحابهم الذين كانوا بالأمس يسخرون من العجوز؛ وفي مشهد دراماتيكي مهين، طُرد باسم وزوجته الخائڼة إلى الرصيف تحت أنظار الجميع، وسط ذهول وانكسار باسم الذي أدرك متأخراً جداً أنه خسر الأب والبيت والمال، وأن ميرفت لم تكن تحبه بل كانت تستغله للوصول إلى ثروة والده. وحين حاول باسم الارتماء عند قدمي أبيه يستجدي الصفح والغفران باكياً سامحني يا بويا.. أنا ابنك، لحمك ودمك.. ما ترمينيش في الشارع، نظر إليه الحاج شاكر بقلب صلب لم يعد يعرف الضعف وقال له جملته الأخيرة التي رنت في أرجاء الحي أنا ربطت الكلب ركس لما ماټ، ورميت طبقه برة البيت مبارح.. وأنت وميرفت مش أكتر من ذكريات سيئة رميتها مع الطبق.. الحساب انتهى يا باسم، والمليونين جنيه هيرجعوا بالقانون، وإلا السچن هيكون بيتك الجديد؛ ليفترق المسار ويغلق الحاج شاكر باب بيته العتيق، مستعيداً كرامته وهدوءه، ترافقه روح فاطمة في زوايا المكان، بعد أن أثبت للجميع أن المحاسب القديم لا تفوته تفاصيل الحساب أبداً، وأن من يزرع الشوك لا يجني به غير الجراح والندم المستمر.

تم نسخ الرابط