الطفلة أنقذت الموقف
وحدّةً وولاءً لا يلين. وأسّست ميريل مؤسسة تحمل اسم تالا، تُعنى بالبحث عن المفقودين الذين تبتلعهم متاهات البيروقراطية والصمت.
في إحدى الأمسيات، وبينما كانت الأسرة تتشارك عشاءً بسيطًا، شرحت تالا الطريقة الصحيحة لحمل تاكو الشارع دون أن ينسكب. ضحكت ميريل حتى اغرورقت عيناها. راقب جاك المشهد بامتنان. كان عالمهم قد تشقّق، لكنهم أعادوا بناءه معًا على أسسٍ أصلب.
ومع ذلك، ففي سانت أوريليا، لم يكن السلام يومًا حالةً مستقرة، بل هدنة هشّة تمشي على أطراف الأصابع. في صباحٍ رماديّ لاحق، وبينما كان جاك يستعدّ لمغادرة منزله، سلّمه الحارس ظرفًا بلا طابع، بلا عنوان مرسل، كأنه وصل من العدم. لم يحتج جاك إلى فتحه ليشعر بثقله؛ بعض الرسائل تُعلن نواياها قبل أن تُقرأ.
في الداخل، كانت صورة واحدة فقط. التُقطت داخل منشأةٍ نفسية ذات جدران باهتة وإضاءة قاسېة. جلست يسيلا على مقعد معدني، كتفاها منحنيتان، نظرتها شاردة. إلى جوارها رجل ببدلة كحلية أنيقة، جلس بثبات وراحة، كأن المكان لا يعنيه. لم تُظهر الصورة سوى جانبه، لكن ذلك كان كافيًا. عرفه جاك فورًا، دون حاجة إلى اسم أو توقيع كاستور هالبرغ، شقيقه المنقطع، الرجل الذي اختفى من حياته منذ سنوات، لا بسبب خلاف عابر، بل بسبب طموحٍ لا يعرف حدودًا.
عاد جاك بذاكرته إلى الوراء. إلى الأيام الأولى من بناء الإمبراطورية، حين كانا شريكين، يتقاسمان الأحلام والمخاطر. كان كاستور أذكى منه في المناورات، أسرع في اقتناص الفرص، لكنه كان أيضًا أقل صبرًا، وأكثر استعدادًا لحړق الجسور إن لزم الأمر. وحين رفض جاك المضيّ في صفقات رمادية تهدّد سمعة العائلة، اختار كاستور الرحيل لا بهدوء، بل بوعدٍ مبهم بأن العالم لا يكافئ الطيبين.
أسفل الصورة، وُضعت ورقة صغيرة بخطّ مستقيم، بارد
لقد تعاملتَ مع يسيلا. لكنها لم تكن سوى تمهيد. لستُ أستهدف قلبك بل إمبراطوريتك.
قرأ جاك العبارة أكثر من مرة. لم يشعر بالڠضب، ولا بالخۏف. شعر بشيءٍ أخطر وضوحٍ مفاجئ. طوى الرسالة بعناية، كما يطوي الإنسان خريطة معركة يعرف أنها لم تبدأ بعد.
في تلك اللحظة، سمع ضحكة تالا من المطبخ، ضحكة قصيرة صافية، تبعتها ضحكة ميريل. كان صوت الحياة، بسيطًا ومباشرًا، كأنه تذكيرٌ مقصود بسبب كل ما تحمّله. أدرك جاك أن كاستور أخطأ التقدير؛ فقد ظنّ أن نقاط ضعف جاك هي عاطفته، بينما كانت في الحقيقة مصدر قوته.
في الأيام التالية، لم يتحرّك جاك بانفعال. بدأ بهدوء شديد، ذلك الهدوء الذي يسبق العواصف المنظمة. راجع العقود القديمة، أعاد هيكلة بعض الإدارات، وأخرج ملفات ظنّ الجميع أنها أُغلقت. لم يكن يسعى للاڼتقام، بل للتحصين. علّمته التجربة أن الإمبراطوريات لا تسقط من الخارج فقط، بل من الشقوق التي نرفض رؤيتها.
وفي إحدى الأمسيات، جلس مع ميريل في الشرفة، وتالا بينهما ترسم مدينةً بألوان
زاهية. قالت ميريل بعد صمت
كاستور لن يتوقف.
أومأ جاك
ولا أنا.
رفعت تالا رأسها وسألت ببراءة
هل الظلال مخيفة؟.
ابتسم جاك، ومدّ يده ليضعها على كتفها
فقط حين لا يكون هناك نور.
في تلك الليلة، أدرك جاك أن المعركة القادمة لن تكون على المال وحده، بل على المعنى. على أيّ عالمٍ سيتركه خلفه. ومع أن الظلال كانت تتحرّك، وتتمدّد، فقد صار يحمل في داخله نورًا أشدّ سطوعًا من أي وقتٍ مضى نور عائلةٍ لم يعد مستعدًا لخسارتها، ولا للتراجع خطوةً واحدة عن حمايتها.