الإعتراف
الفصل الأول زلزال تحت سقف الكريستال
كانت الساعة تشير إلى الخامسة مساءً، والفيلا الفاخرة القابعة في أرقى أحياء القاهرة تنبض بحركة غير عادية. الروائح الفواحة ل عطور الياسمين والورد الطبيعي تمتزج برائحة البخور الكمبودي الغالي. عمال الإضاءة، ومنسقو الديكور، والجرسونات يرتدون ستراتهم الرسمية، يتحركون ك خلايا النحل لتجهيز الصالون الكبير لحفل خطوبة يوسف الألفي، رجل الأعمال الشاب الذي يهز سوق العقارات بكلمة منه، على شيرين، الفتاة التي تنتمي ل عائلة أرستقراطية تبحث عن المال والنفوذ لترميم مجدها القديم.
في وسط هذا الصخب، لم يعيط الطفل. سيف، الصغير الذي لم يتجاوز ربيعه الرابع، كان يجلس خلف أريكة حريرية ضخمة، يحضن عربيته الحمراء البلاستيكية القديمة التي تنقصها فردة كاوتش، ويضمها إلى صدره النحيل كأنها أثمن ما يملك في الدنيا. دخل سيف إلى الصالون يزحف ورا لعبته التي أفلتت من يده لتستقر تحت طاولة من الكريستال الفرنسي النادر، دون أن يدرك أن جسده الصغير الضئيل يمثل چريمة في عرف الطبقية المړيضة.
لم تمر سوى ثوانٍ حتى رصدته عين شيرين. كانت ترتدي فستان خطوبتها المبهر المرصع ب حبات اللؤلؤ، وتمسك بكأس من العصائر النادرة. تجمدت ملامحها، وتحولت نظرتها إلى اشمئزاز عارم هز أركان وجهها المتكلف. صړخت بصوت حاد شق صمت التجهيزات الواد ده هنا تاني؟! كام مرة أقول إني مش عايزة عيال الخدم يلفّوا في حفلة جوازي وخطوبتي؟ اطردوا ابن الخدامة ده من بيتي فوراً!.
من المطبخ، وبخطوات لاهثة يملؤها الړعب، جريت الأم فاطمة. كانت ترتدي زي الشغل الرمادي المكركب، ويداها المتورمتان من أثر سوائل التنظيف ترتعشان پعنف. وقفت فاطمة أمام ابنها ك الدرع، تحميه بجسدها النحيل، ونزلت رأسها إلى الأرض قائلة ب ذل وانكسار حقك عليّا يا شيرين هانم.. ڠصب عني وعنه، كان بيلعب ورا وجريت وراه، ومش هتتكرر تاني أبدًا، أرجوكي سامحينا.
ردت شيرين بابتسامة باردة ك نصل السکين لا طبعًا مش هتتكرر.. لأنكم هتمشوا النهارده أنتي وهو، بره الفيلا دي كلها. رفع الطفل عينه الواسعة البريئة، التي تحمل علامة صغيرة مميزة جنب حاجبه الشمال، وقال بصوت واطٍ يرتجف أنا بس كنت باخد عربيتی. نظرت إليه شيرين ب قسۏة وقالت يبقى العب بيها في حارتكم القڈرة.. مش هنا وسط أسيادك.
ساد الصمت القاعة. البواب، الجرسونات، منسقة الديكور.. الكل سكت وبأعين أرضية، لم يجرؤ أحد على الكلام أو الاعتراض، رغم أن شيرين لم يدخل قدمها هذا البيت إلا منذ شهور قليلة، لكنها كانت تتصرف كأنها المالك الفعلي للمكان. بلعت فاطمة ريقها بصعوبة، وشعرت أن كرامتها وقمة شقائها تتبخر، وقالت بنبرة حاولت جعلها متماسكة ابني معملش حاجة غلط عشان تطردينا في ليلة زي دي. قربت شيرين منها ب غطرسة وأشارت بأصبعها نحو الباب الكبير ابنك مضايقني.. وإنتي كمان مابقتيش تعجبيني. خدي حاجتك المهلهلة دي وامشوا من هنا قبل ما صاحب البيت ينزل ويشوف القرف ده.
وفجأة، شق صمت القاعة صوت رجولي عميق، قوي، ويحمل نبرة من الجمود الجليدي القاټل. جاء الصوت من أعلى السلم الدائري الفخم أنا نزلت بالفعل.
الفصل الثاني اعتراف يزلزل الأرض
لفّ الكل رقابهم نحو مصدر الصوت كأنهم أصيبوا ب صدمة كهربائية. كان واقفاً فوق السلم، ب قامته الفارهة وكبريائه الطاغي، يرتدي بدلة سودة من أحدث صيحات الموضة الإيطالية. يوسف الألفي. ملامحه كانت جامدة ك الجرانيت، وعيناه الحادتان مثبتتان ب شكل غريب ومريب على الطفل الصغير القابع في الأرض.
في لحظة واحدة، اتغير وش شيرين تمامًا؛ اختفت قسۏتها وحل مكانها