خرجني يا مصطفي بقلم أسامه الهواري حصريا
ورقة صغيرة مطبقة بعناية.
فتحتها ولقيت فيها خط أمي.
كانت مكتوب فيها جملة واحدة
ما تسامحنيش قبل ما تعرف.
الورقة كانت قديمة شكلها كأنها متخبية من سنين.
بس الأغرب إنها كانت مكتوبة بتاريخ قبل ۏفاتها بيوم واحد.
قلبي وقع ومخي مش قادر يستوعب حاجة.
طلعت أجري على إخواتي ووريتهم الورقة لكن محدش صدق إنها بخطها.
قالولي يمكن انت اللي كتبتها وانت مش في وعيك يمكن خيالك بيتلاعب بيك.
بس اللي حصل بعدها خلى كل الشكوك تختفي.
في الليلة اللي بعدها وأنا نايم صحيت على صوت خبط جاي من باب الشقة.
خبط متواصل هادي لكنه مستمر.
قمت بهدوء وببص من العين السحرية...
ما كانش فيه حد.
لكن لما بعدت سمعت صوتها تاني من ورا الباب تقول بهمس
افتح يا مصطفى... أنا بردانة.
كنت حاسس بدمي بيجمد.
فضلت واقف مش قادر أتحرك.
الخبط وقف فجأة...
وبعدها سمعت خطوات خفيفة ماشية بعيد عن الباب... خطوات بتسحب التراب وراها.
تاني يوم الصبح نزلت المقاپر وأنا مش عارف ليه بروح كأني متسحب بقوة مش بإرادتي.
لما وصلت عند القپر لقيت علامة جديدة محفورة على الرخام.
علامة غريبة كأنها اسم لكنه ممسوح نصه... وكان واضح بس منه كلمة واحدة
سامحني.
من يومها وأنا عايش بين الحلم والحقيقة.
بسمع صوتها أوقات في البيت وأوقات في الشارع وأوقات وأنا نايم.
كل ما أحاول أتجاهلها بتظهر لي بشكل أوضح.
ولحد النهارده كل ما أروح المقاپر بشوف الدخان بيطلع والصوت بيرجع.
لكن المرة الأخيرة اللي رحت فيها... ما سمعتش صړخة.
سمعت همس ناعم بيقول
استناني يا مصطفى... الدور عليك.
ومن يومها وأنا كل ما أنام...
بحلم بقپرين جنب بعض.
واحد مفتوح والتاني مكتوب عليه اسمي.
من بعد اليوم اللي شفت فيه العلامة على القپر حياتي ما بقتش هي هي.
كل حاجة حواليا بقت ساكتة بشكل غريب كأن الزمن نفسه واقف.
البيت بقي كئيب مفيهوش ريحة الحياة اللي كانت أمي بتملأه بيها. حتى إخواتي بدأوا يبعدوا عني بيقولوا إني بتكلم مع نفسي وبشوف حاجات مش موجودة.
لكن أنا عارف إن اللي بشوفه حقيقي...
الليلة دي تحديدا حسيت إن النهاية قربت.
كنت قاعد في أوضة أمي والورقة اللي لقيتها في الدولاب قدامي.
فضلت أبصلها بالساعات لحد ما حسيت إني سامع صوتها من تاني.
المرة دي مش همس لا... كان صوت واضح جاي من جوه الحيطان
مصطفى... افتح الصندوق.
قمت بدور في الأوضة كلها ومفيش غير صندوق خشب صغير تحت السرير.
كنت فاكره صندوقها القديم اللي فيه صور وأوراق زمان.
سحبته وفتحته لقيت جواه حاجات غريبة... صور قديمة لناس ما عرفهمش وكلهم وشوشهم مټشوهة أو مقطوعة النص.
وفي نص الصندوق كان فيه دفتر صغير صفحاته باهتة ومليانة كتابة بخطها.
فتحت أول صفحة...
وقريت
أنا عارفة إن اللي بعمله غلط بس ماعنديش حل تاني. الشيخ قال لي لو دفنت الورق اللي عليه الدعوة تحت شجرة المقاپر
المړض هيخف ومصطفى هيتعافى. سامحني يا رب...
إيدي بدأت ترتعش.
اتقلبت الصفحات بسرعة... كلها اعترافات عن حاجات عملتها وهي بتحاول تشفيني وأنا صغير.
كانت بتحكي عن تعويذة دفنتها بنفسها في المقاپر.
وكان آخر سطر بخط مرتعش
لو مت قبل ما تتفك روحي هتفضل محپوسة...
وقفت مش قادر أتنفس.
كل الصرخات اللي كنت بسمعها كل الدخان كل الكوابيس... كانت استغاثة.
أمي كانت محپوسة فعلا مش في القپر... في التعويذة.
جريت على المقاپر بالليل من غير ما أحس بنفسي.
الهواء كان تقيل والسماء غامقة كأنها بتنذر بحاجة.
وصلت عند قپرها ونزلت على ركبي وأنا بعيط
سامحيني يا أمي... سامحيني هفكها دلوقتي.
بدأت أحفر بإيديا وفعلا بعد شوية لقيت ورقة ملفوفة في قماش أسود متآكلة من التراب.
كانت مكتوب عليها كلام غريب بحبر أحمر.
قلبت الورقة ولقيت نفس الخط اللي كان في الدفتر بخط إيديها مكتوب
ما تفكنيش لوحدك يا مصطفى...
لكن كنت خلاص... فتحتها.
الريح عليت فجأة والدخان بدأ يخرج من الأرض بقوة صوت زي العاصفة وكل الأصوات اللي كانت بتزورني في الكوابيس رجعت تصرخ حوالي.
لكن في وسطهم سمعت صوت أمي...
هادئ حنون زي زمان.
شكرا يا ابني... دلوقتي أقدر أرتاح.
وقتها كل حاجة سكتت.
الهوا وقف.
والدخان اختفى.
بصيت حوالي... المقاپر كانت فاضية تماما كأنها ما شافتش بني آدم من سنين.
رجعت البيت بعد الفجر جسمي متكسر وروحي كأنها اتسحبت مني.
نمت أول نومه حقيقية من شهور.
لكن وأنا نايم حلمت بحلم مختلف لأول مرة.
أمي كانت واقفة بعيد لابسة أبيض مبتسمة مفيش خوف ولا ألم في وشها.
قربت مني ولمست خدي وقالت بهدوء
خلصت يا مصطفى... بس الدور جاي.
صحيت مڤزوع وببص في المراية اللي قدامي...
ولقيت على رقبتي علامة خفيفة شكلها نفس العلامة اللي كانت محفورة على قپرها.
ومن يومها ما حلمتش بيها تاني.
لكن في كل زيارة للمقاپر بشوف قپرين جنب بعض...
واحد باسم أمي والتاني لسه فاضي...
بس الرخام عليه مكتوب
مصطفى 1988 ....
تمت
اسامه الهواري