إستحمت بماء غسل الميتين..
إستحمت بماء غسل الميتين.. مش هتتخيلوا ليه وإيه اللي حصلها بعد كده وخلى سيرتها على كل لسان!
البلد كلها من أولها لآخرها في كفر الشيخ غريب كانت عارفة الست هنية المغسلة. ست بملامح جامدة زي الصخر، وشها قليل ما يضحك، وعيونها حادة كأنها شايفة اللي ورا الحيطة. هنية دي كانت عايشة لوحدها تقريباً، مفيش في دنيتها غير بنتها الوحيدة نورا، اللي كانت كل حياتها وعيونها اللي بتشوف بيها الدنيا.
نورا دي كانت حكاية البلد كلها. بنت زي القشطة، بيضاء زي اللبن، عيونها واسعة زي البحار، وجمالها يوجع القلب ويخلي اللي يشوفها ينسى نفسه. كانت تمشي في الشارع فتبقى الكل بيتكلم عليها، وكل شباب البلد قلوبهم معلقة بيها، بس.. بس لسه محدش قدر يخطي خطوة واحدة ناحيتها.
والسبب ببساطة؟ أمها هنية المغسلة.
أصل مين في البلد يجرؤ يتقدم لبنت المغسلة؟ مين يرضى يناسب البيت اللي ريحته دايمًا سدر وكافور وطين قبور؟ والبيت اللي الكلاب الضالة بتهوهو حواليه طول الليل من غير سبب؟ الناس شايفة إن البيت ده بيت أشباح وبيت نجاسة بالنسبالهم، وإن اللي يربط نفسه فيه ربما يجيله نصيب من الهم والمړض.
عشان كده، نورا وهي في عز شبابها، وعمرها تعدى الخمسة وعشرين سنة، لسه قاعدة في بيت أمها. البنات في سنها اتجوزوا وخلفوا وعيالهم بيجروا قدامها، وهي قاعدة لوحدها تندب حظها الأسود اللي حطها في بيت المغسلين.
كل ما تروح تقعد قدام المراية، تشوف جمالها اللي بيذبل لوحده، وبتقول لنفسها بمرارة جمال مدفون.. مېت قبل ما يتنفس الهوا. قلبها كان پيتحرق كل يوم بالغل والغيرة والكسرة. بتشوف البنات اللي أقل منها بكتير اتجوزوا واتهنوا، وهي اللي ربنا معاها نعمة، محدش حاسس بيها ولا حتى بيسأل عليها.
الشعور ده كان بياكلها من جوا زي الدود. حست إنها مېتة بالحيا. جسمها عايش، بس روحها اتدفنت في بيت أمها وسط ريحة الكافور والجنازات.
ومرت الأيام، والشعور ده زاد عن حده، لحد ما جه اليوم اللي غير مجرى حياتها للابد..
كانت ليلة كحلة من ليالي شهر طوبة، السما كانت مقفلة بالسحاب السودا اللي مفيش وراها غير العواصف. الرعد كان بيهز الأرض والحيطان، والبرق كان بيشق السما كأنه بيفضح اللي في الخفاء. الكهرباء قطعت في البلد كلها من بداية الليل، والظلام كان سيد الموقف، مخيف وثقيل.
الجو كان بارد جداً، برد يكسر العضم ويخلي العظام بتقرص. وفجأة وسط هدوء الليل المخيف، سمعوا صوت خبط جامد على باب البيت الخشبي العتيق.. خبطات ورا بعضها، سريعة وعڼيفة، كأن اللي بره مش بيطلب الإذن، ده كأنه بيحاول ېهشم الباب.
الخبطات كانت مرعبة لدرجة تخلي القلب يقف في مكانه. هنية قامت من مكانها بثقل، شالت الفانوس اللي معلق، وطلعت تفتح الباب وهي عارفة إن اللي بيجي في الوقت ده