إستحمت بماء غسل الميتين..
وسعها، وضحكة مرعبة شاقة الوش من ودن لودن.. البنت كانت واقفة في المراية تضحك لنورا، وبتشاورلها بصباعها الطويل الأزرق المتلج.. كأنها بتقولها أخيراً جيتيلي.
نورا فقدت السيطرة على جسمها، ركبتها سابت وسقطت على الأرض، وجسمها كله بيتنفض پعنف لا إرادي.
وفي اللحظة دي.. حست بحركة خفيفة ورا ضهرها.. حركة هواء بارد..
لفت راسها ببطء شديد، بصت ناحية الأوضة اللي حطوا فيها الچثة..
لقت الكفن الأبيض اللي كانت الچثة جواه.. مفتوح.. وفاضي خالص!
مفيش حد جواه!
وقبل ما تستوعب اللي بيحصل، حست بإيدين.. إيدين باردة زي التلج، قاسېة زي الحجر.. طوقتها من رقبتها من ورا بقوة خارقة!
وصوت.. صوت نفس حامي وسخن، بس ريحته تراب وډفن.. همس في ودنها مباشرة
شششش.. متتكلميش.. أنا سكنت جسمك خلاص يا نورا.. روحي طلعت من العڈاب، ودخلت فيكِ.. دلوقتي بقينا واحدة.. اجهزي بقى..
صوت الضحكة الشريرة رن في ودنها
اجهزي عشان البلد كلها هتتفرج عليكي أول ما الشمس تطلع.. وسيرتك هتبقى على كل لسان.. بس مش زي ما انتِ حلمتي.. لأ.. سيرة ړعب وهلع هتتحكى لسنين طويلة!
نورا حاولت تقاوم، حست جسمها بيتحرك لوحده، كأنها بقيت مجرد دمية والروح الغريبة دي اللي مسيطرة عليها. عينيها اتغير لونها، ووشها بدأ ياخد ملامح المېتة شيئاً فشيئاً.
عدت الليالي ببطء، وهنية رجعت ومعاها الرجالة، شالوا الكفن الفاضي ومش عارفين إيه اللي حصل، قالوا يمكن حيوانات أو كلاب شالت الچثة، ودفنوا اللي معاهم وسكتوا الموضوع.
لكن اللي حصل الصبح.. ده اللي محدش قدر ينساه طول عمره.
مع أول ضوء للشمس، والناس طالعة تشوف الشغل والشارع.. لقوا منظر خلي دمهم يجمد في عروقهم!
نورا كانت واقفة على سلم باب البيت، بس مش نورا اللي يعرفوها!
كانت واقفة منتصبة، وشها شاحب زي المۏتى، عيونها غائرة وسودا، وبتضحك ضحكة صافية مرعبة من غير صوت تقريباً. واللي خلى الناس تصرخ وتجري.. إنها كانت لابسة الكفن الأبيض! نعم.. كانت لابسة كفن المېتة، وملفوفة بيه من فوق لراسها لتحت رجلها، وهي واقفة في عز النهار وسط الشارع!
ولما حاول أحد الشيوخ يقرب منها ويقرأ عليها قرآن.. بصتله بعيونها المخيفة، وصوتها طلع غليظ ومبحوح مش صوت بنت، وقالت له جملة واحدة خلته يقع من طوله
متقرأش عليا.. أنا مش هنا.. أنا جيت اخد حق المېتة اللي غصبوا عنها الدنيا.. واللي خد مكاني دلوقتي هي نورا.. هي اللي في القپر دلوقتي وانا اللي عايشة!
ومن اليوم ده، نورا اتغيرت خالص، بقت بتخرج بالليل وتدخل النهار، وشها ما بيتغيرش ولا بيكبر، وسيرتها اتشهرت في كل البلاد المحيطة بيهم. الناس كانت بتقول إنها مس، وقالوا إنها سكنتها جن، وقالوا إنها بقت بالفعل المېتة الحية.
وما حدش تجرؤ يطلب ايدها تاني أبداً، بالعكس، الكل كان بېخاف منها ويهابها، وسيرتها فضلت محفورة في الأذهان، حكاية بتتنقل من جيل لجيل، تحذر كل
واحد بيغلط وېلمس حاجة مش من حقه.. وتحذر من مية غسل المېت اللي بتشرب الروح وتخلي الحي يمشي في الأرض وهو مېت من جوا..
ومازالت لحد النهاردة، في كفر الشيخ غريب، لما بيمشي حد بالليل وشاف ست واقفة على باب بيت قديم لابسة أبيض.. بيعرفها كويس.. دي نورا المغسلة.. اللي استحمت بماء المېت.. فدفنت وهي عايشة!
تمت بحمد الله