بنتي الصغيره

موقع أيام نيوز

الجزء الأول
رماد البيت القديم
كانت الساعة تقترب من العاشرة مساءً حين انطفأ كل شيء في حياتي دفعة واحدة. لم يكن انطفاءً تدريجياً، بل كان أشبه بزلزال مفاجئ يهدم الجدران فوق رؤوس ساكنيها دون إنذار.
اسمي مريم، كنت في الثامنة والثلاثين من عمري عندما اعتقدت أنني ملكت الدنيا؛ بيت مستقر، وزوج مكافح، وطفلان هما قرة عيني. زوجي أحمد، الذي يقترب من الأربعين، كان يقضي معظم أيامه مغترباً في مواقع البناء والتشييد بمدينة الغردقة، يواجه لهيب الشمس ليؤمن لنا حياة كريمة. ولأنني كنت أعمل فترتين في هيئة حكومية ثم في مركز تجاري لأساعد في مصاريف المعيشة، كان العبء الأكبر في البيت يقع على عاتق علي.
علي، ابني الأكبر ذو الثمانية عشر عاماً، كان طالباً في الفرقة الأولى بكلية الآداب. لم يكن كبقية شباب جيله؛ كان هادئاً إلى حد الانطواء، يعشق الكتب ويمضي جل وقته في غرفته الصغيرة بين صفحات الروايات ودواوين الشعر ومذكراته الدراسية. في حارتنا الشعبية البسيطة، كان الجميع يشير إليه بالبنان؛ ابن مريم المؤدب، الشاب الذي لا تسمع له صوتاً. لم يدخل يوماً في مشاجرة، ولم يشتكِ منه جار. كان هو سندي الحقيقي، والشخص الذي أئتمنه على روحي.
أما فريدة، فكانت النقيض التام لأخيها. في التاسعة من عمرها، تدرس في الصف الرابع الابتدائي، لكنها كانت تمتلك لساناً يسبق عمرها بكثير. شقية، حركتها لا تهدأ، ذكية ومراوغة كعاصفة صغيرة لا تعرف الاستقرار. ولأن وقتي ووقت والدها كان ضيقاً، كان علي هو من يتولى أمرها بعد المدرسة؛ يطهو لها ما أتركه من طعام، يراجع معها دروسها، ويتحمل شقاوتها بصدر رحب. كنت أرى في علاقتهما نموذجاً للأخوة المثالية؛ مناقرات يومية خفيفة تنتهي دائماً بابتسامة.
في تلك الليلة المشؤومة، ليلة الخميس، كان أحمد قد عاد في إجازته الشهرية. سادت الشقة أجواء دافئة؛ أعددت صينية مكرونة بشاميل تملأ رائحتها الأرجاء، وحضرت زوجة أخي وأطفالها لزيارتنا، حاملة معها طبقاً من البسبوسة. كانت الضحكات تتعالى، والأطفال يركضون في الممر الضيق، وأحمد يتحدث مع شقيقي عبر الهاتف يمازحه. كل شيء كان يشي بالأمان الكاذب.
وفجأة، توقفت فريدة عن اللعب. اقتربت مني بخطوات بطيئة، ووقفت وسط الصالة وعيناها جامدتان. وبنبرة عادية تماماً، خالية من أي بكاء أو خوف، قالت ببساطة قطعت نياط قلبي
ماما.. هو علي ليه بيلمسني هنا؟
ورفعت يدها الصغيرة لتشير إلى مكان حساس في جسدها.
في تلك اللحظة، شعرت وكأن الهواء سُحب من الغرفة بالكامل. ساد صمت رهيب وقاټل، لدرجة أن الشوكة التي كانت في يد ابن أخي سقطت على الطبق الصيني، فدوى رنينها في آذاننا كجرس جنائزي. تيبست الډماء في عروقي، والتفتُّ صوب أحمد الذي تجمدت ملامحه، وارتسمت على وجهه صدمة جعلت عينيه تتسعان بشكل مخيف.
حاولت التقاط أنفاسي، وسألتها بصوت يرتجف، متمنية في داخلي أن أكون قد سمعت خطأ
قلتي إيه يا فريدة؟ عيدي تاني كده؟
نظرت إليّ بذات البرود الذي ېقتل، وقالت عمل كده مرتين يا ماما وهو بيذاكرلي.
لم نعد نرى أمامنا. في مجتمعاتنا، هذه الكلمات لا تحتمل نقاشاً ولا تحتمل تريثاً؛ إنها تمس الشرف والعرض، تمس الطفولة والبراءة. تملكني ړعب أعمى، ړعب من الڤضيحة، وړعب على ابنتي الصغيرة التي تخيلت أن ذئباً يعيش معها تحت سقف واحد. لم أفكر لثانية واحدة في فحص الكلام، ولم يسأل عقلي كيف لعلي، الشاب المصلي الخجول، أن يفعل هذا؟ ألغيت عقلي تماماً، وسلمت نفسي لغريزة الأمومة الهائجة والمچروحة.
اتصلت بعلي فوراً، وكان وقتها قد ذهب لإحضار بعض المراجع

تم نسخ الرابط