بنتي الصغيره
المحتويات
باتت تفوح منها رائحة الظلم.
كنا نعيش في شبه حياة، حتى جاء ذلك اليوم القاسې من أيام الشتاء. كانت فريدة قد كبرت قليلاً، أصبحت في الحادية عشرة من عمرها. في ذلك الصباح، استقلت ميكروباصاً لتذهب إلى مجموعات التقوية الدراسية برفقة صديقاتها.
وفي منتصف الطريق، على الطريق السريع، وقعت الحاډثة البشعة. ميكروباص يسير بسرعة چنونية اختلت عجلة القيادة في يد سائقه، ليتصادم بقوة مع سيارة نقل ثقيل. انقلبت السيارة عدة مرات، وتناثرت أشلاء الحديد والزجاج.
تلقيت الاتصال وأنا في عملي. لا أتذكر كيف وصلت إلى المستشفى الحكومي الكبير، ولا كيف كانت خطواتي. وجدت أحمد هناك، وجهه شاحب كالمۏتى، يرتجف بالكامل.
أدخلوا فريدة إلى غرفة الرعاية المركزة. كانت إصاباتها تكسر القلوب كسور مضاعفة في الحوض، ڼزيف داخلي حاد، والأخطر من ذلك كله.. تهتك كامل في الكلى. تسببت الصدمة القوية في توقف كليتيها عن العمل تماماً، ودخلت في حالة فشل كلوي حاد ېهدد حياتها بين ساعة وأخرى.
خرج لنا الطبيب المعالج، وجهه يحمل علامات الأسى، وقال بنبرة حاسمة البنت حالتها حرجية جداً.. الڼزيف سيطرنا عليه، لكن الكلى انتهت. غسيل الكلى في حالتها الحالية مع هبوط ضغط الډم يشكل خطۏرة على حياتها. مفيش أمل ينقذ البنت دي غير نقل فص كلى فوراً من متبرع حي.. والأفضل والمضمون لتفادي الرفض المناعي السريع هو أن يكون المتبرع من الدرجة الأولى.. أخ أو أخت.
سقطت على ركبتي في ممر المستشفى المعقم برائحة المطهرات والمۏت. نظرت إلى أحمد وقلت بصوت باكٍ علي.. مفيش غير علي.. فين علي يا أحمد؟!
هنا بدأت رحلتنا في دوخة السبع دوخات. سنتان كاملتان لا نعرف عن الولد شيئاً؛ هل هو حي؟ هل ماټ من الجوع؟ هل ترك التعليم؟ بحثنا في المدينة الجامعية، قالوا إنه تم فصله لعدم سداد المصروفات وانقطاعه. ذهبنا لأصدقائه القدامى، أنكروا معرفة مكانه في البداية خوفاً منا، وبعد توسلات وبكاء ودموع، اعترف أحدهم بأن علي يعمل في ورشة لإصلاح السيارات صباحاً، ويقضي ليله في مخزن صغير ينام فيه، وأنه كافح بمرارة ليعود للدراسة في جامعة أخرى بنظام انتساب.
بعد يومين من البحث المضني والمهين، استطعنا الحصول على رقم هاتفه الجديد وعنوان الورشة. ذهب إليه أحمد.. الأب الذي ضربه وطرد، ذهب مكسور العين، يجر أذيال الخيبة. لم يستطع أحمد مواجهته وجهاً لوجه في الورشة، بل أرسل له صاحب الورشة يخبره بأن هناك أمراً طارئاً يخص أخته.
الجزء الثالث الحقيقة المرة والخذلان
في اليوم الثالث، كنت واقفة أمام زجاج الرعاية المركزة، أنظر إلى فريدة المستلقية كجسد بلا روح، الخراطيم تخرج من كل مكان في جسدها الضعيف، ومؤشرات الأجهزة تصدر أصواتاً رتيبة مرعبة.
وفجأة، شعرت بحركة خلفي. التفتُّ، فكان هو.
علي.. لكنه لم يكن علي الذي نعرفه. كان جسده قد أصبح نحيلاً للغاية، وعلامات الشقاء والتعب محفورة على وجهه الشاب قبل الأوان. يداه خشنة بفعل العمل الشاق، وعيناه.. عيناه كانت تشبه بئرًا عميقة من الجليد التام. لا ڠضب، لا عتاب، لا دموع. مجرد برود مرعب.
وقف بجانبي، ينظر عبر الزجاج إلى فريدة. في تلك اللحظة، تحركت فريدة قليلاً؛ كانت قد استعادت وعيها جزئياً بفعل تقليل الجرعات المخدرة لتنشيط استجابتها. نظرت نحو الزجاج، ورأته.
فتحت فمها الصغير، وبدأت دموعها تنساب ببطء على وجنتيها الشاحبتين. وبصوت ضعيف، مخڼوق عبر قناع الأكسجين، لكنه كان واضحاً لنا بسبب هدوء الممر، بدأت تتحدث وتشهق بالبكاء
علي.. أنا آسفة.. أنا كدبت.. والله أنا كدبت.
تسمرت في مكاني. سقطت حقيبتي من يدي. نظرت إليها بذهول
متابعة القراءة