بنتي الصغيره

موقع أيام نيوز

من مكتبة قريبة من جامعته ويتواجد في السكن الجامعي لبعض زملائه. صړخت فيه لينزل فوراً. وبعد نصف ساعة، فُتح الباب.
دخل علي مبتسماً، يحمل حقيبته على كتفه، ويقول السلام عليكم، خير يا جماعة ماما صوتها كان...
لم يكمل جملته. أحمد، والده الذي كان مثل بركان ينفجر، لم يعطه فرصة للنطق. ھجم عليه كالثور الهائج، ولكمه بقبضته في وجهه بكل ما أوتي من قوة ڠضب السنين. سقط علي على الأرض، واصطدم رأسه بحافة الخزانة الخشبية، ليسيل دمه بغزارة على السيراميك.
صړخ الشاب مذهولاً، يضع يده على وجهه النازف في إيه يا جماعة؟! عملت إيه بس؟! يا بابا في إيه؟!
أمسكه أحمد من ياقة قميصه، ورفعه وهو يزعق بصوت زلزل جدران البيت والبيوت المجاورة بقى بتمد إيدك على أختك؟! بتتحرش بفريدة يا فاجر؟! يا خسارة تربيتي فيك!
اتسعت عينا علي بذهول حقيقي، نظرة لم أرَ مثلها قط؛ نظرة مزيج من الصدمة، والكسر، والخذلان المطلق. تطلع إليّ مستنجداً، وقال بصوت متحشرج إيه؟! لا طبعاً.. والله العظيم ما حصل! فريدة أنتِ بتقولي إيه؟! والله ما لمستها!
لكن ڠضب الأب كان قد أعمى البصيرة. ركله أحمد في بطنه بقسۏة، وعلي يتلوى على الأرض، يحلف بالمصحف، بأيامه، بدراسته، بصلاته. وأنا؟ أنا التي حملت به تسعة أشهر، وقفت هناك كتمثال من حجر. قسّيت قلبي تماماً. نظرت إلى فريدة المنكمشة في الزاوية، ثم نظرت إليه، ورأيت فيه مجرماً يجب استئصاله.
في نفس الليلة، وخلال أقل من ساعة، قمنا بجمع كل ملابسه، كتبه التي يحبها، مقتنياته البسيطة، وحشرناها في شنطة سفر قديمة مهترئة. سحبناه من يده وهو ېنزف، وألقينا به على درجات السلم المظلمة.
صړخ أحمد في وجهه بعينين تشتعلان غلاً امشي.. إنت من الساعتي دي مِتّ بالنسبالنا.. مالكش أهل، ولا تعرفنا ولا نعرفك، ولو شفتك في الحتة تاني ھقتلك بإيدي!
انهمرت دموع علي كالمطر، وتشبث بقدمي وهو يبكي بحړقة تذيب الصخر يا أمي وحياة أغلى عندك.. اسمعيني.. أنا مظلوم.. والله العظيم فريدة بتكذب.. اسمعوني بس!
أمسكت يده ونفضتها عني بقسۏة، ثم أغلقنا الباب الحديدي في وجهه. وفي نفس الليلة، نزل أحمد وقام بتغيير كوالين الشقة بالكامل، وكأننا نغلق باباً على ماضٍ نريد محوه. أصدرت أمراً قاطعاً بمنع إرسال أي مليم له، والاتصال بجامعته لإلغاء أي ارتباط مالي بنا. لقد شطبناه من دفتر حياتنا تماماً.
الجزء الثاني السنتان العجاف والکابوس
مرت سنتان كاملتان على تلك الليلة. سنتان عشنا فيهما وكأن علي لم يولد قط. في البداية، كنا نحاول جاهدين إقناع أنفسنا بأننا اتخذنا القرار الصحيح، وأن طرده وحرمانه كانا القصاص العادل لحماية براءة فريدة. كان هذا التبرير هو المسكن الكاذب الذي نتناوله كل ليلة لنخدر به ضمائرنا المستيقظة رغماً عنا.
لكن الكوابيس لا تنام. بعد مرور أشهر قليلة، بدأت الظلمة تشكل لي صوراً مرعبة. كلما أغلقت عيني في هدوء الليل، وأحمد يغط في نوم عميق بجانبي، كنت أرى علي. أراه واقفاً في زاوية الغرفة، ملابسه ممزقة، يقطر دماً من وجهه وجسده، لا ېصرخ، ولا يعاتب بقسۏة، بل ينظر في عيني مباشرة بنظرة باردة، ممېتة، ويسألني بصوت يتردد في أعماق جمجمتي ليه يا أمي؟.. أنا عملتلكوا إيه؟
كنت أستيقظ غارقة في عرقي، ودقات قلبي تتسارع كطبول الحړب. التفتُّ حول نفسي، الشقة أصبحت كئيبة، ضحكة فريدة لم تعد كما كانت؛ أصبحت البنت أكثر انطوائية، زاد عنادها، وتدهور مستواها الدراسي. أما أحمد، فصار عصيب المزاج، يقضي في الغردقة أسابيع طويلة تهرباً من جدران البيت التي
تم نسخ الرابط