طرد الممرضة

موقع أيام نيوز

تحس إن فيه حاجة ناقصة.
حاجة أكبر من النجاح.
وأكبر من الشهرة.
وأكبر حتى من الأموال اللي بقت تحت إدارتها.
كانت فاكرة كويس الأيام اللي كانت فيها مجرد ممرضة بسيطة بتجري بين الغرف.
فاكرة الخۏف.
والتعب.
والدموع اللي كانت بتنزل منها وهي راجعة البيت آخر الليل.
وكانت دايمًا تسأل نفسها
ليه ربنا اختارني لكل ده؟
لكن الإجابة ما جاتش غير في يوم غير متوقع تمامًا.
في صباح شتوي بارد...
وصل للمستشفى رجل عجوز.
شكله بسيط جدًا.
هدومه قديمة.
وبيمشي بصعوبة.
موظفة الاستقبال سألته
حضرتك محتاج كشف في أي عيادة؟
العجوز ابتسم وقال
أنا جاي أقابل الأستاذة سعاد.
استغربت.
عندك موعد؟
هز رأسه بالنفي.
قوليلها بس إن عم حسن موجود.
الاسم ماكانش معروف لأي حد.
لكن أول ما وصل لسعاد...
اتغير لون وشها فجأة.
وقفت من مكانها بسرعة.
وقالت
عم حسن؟!
ونزلت تجري بنفسها.
أول ما شافته...
دموعها نزلت فورًا.
لأن الراجل ده ماكانش شخص عادي.
ده كان جارهم القديم.
الراجل اللي وقف جنبهم بعد ۏفاة أبوها.
الراجل اللي كان ساعات يجيب لهم أكل من غير ما يحسسهم إنهم محتاجين.
الراجل اللي دفع لها مصاريف سنة كاملة في المعهد وهي ما تعرفش.
لحد ما اكتشفت الحقيقة بعد سنين.
حضنته وهي پتبكي.
وقالت
فينك كل السنين دي؟
ابتسم بحنان.
وقال
كنت بتفرج عليكي من بعيد.
قعدوا ساعات يتكلموا.
وسعاد كانت سعيدة كأنها رجعت طفلة صغيرة.
لكن في آخر اللقاء...
عم حسن طلع ظرف قديم من جيبه.
وقال
أبوك وصاني أديهولك في الوقت المناسب.
سعاد اتجمدت مكانها.
بابا؟!
ناولها الظرف.
كانت إيده بتترعش.
وقالت
إيه ده؟
رد بهدوء
رسالة.
رسالة أبوكي قبل ما ېموت.
سعاد حسّت إن قلبها هيقف.
أبوها ماټ من سنين طويلة.
وعمرها ما تخيلت إنه سايب لها رسالة.
فتحت الظرف ببطء.
وكان جواه ورقة صفراء قديمة.
مكتوبة بخط أبوها.
أول سطر فيها خلاها ټنهار
بنتي سعاد...
دموعها نزلت فورًا.
وبدأت تقرأ.
لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى أنا خلاص مش موجود جنبك.
بس عايزك تعرفي إني كنت مؤمن بيكي أكتر من إيماني بنفسي.
يمكن أسيب لك دنيا قليلة.
ويمكن أسيب لك هموم كتير.
لكن متأكد إني سايب راجل في صورة بنت.
ولو الأيام ظلمتك...
متظلميش حد.
ولو الناس قسوا عليكي...
خلي قلبك رحيم.
ولو بقيتي قوية...
اوعي تنسي الضعيف.
وأوعي تنسي إن قيمة الإنسان مش في اللي معاه.
قيمته في الخير اللي بيسيبه وراه.
سعاد كانت بتقرأ وهي پتبكي بشدة.
وكل كلمة كانت بتحفر جواها.
لكن آخر جملة كانت الأهم.
لو جيه يوم والناس افتكرت اسمك...
خليهم يفتكروه بالخير.
في الليلة دي...
سعاد ما نامتش.
فضلت تقرأ الرسالة عشرات المرات.
ولأول مرة فهمت السبب الحقيقي لكل اللي حصل في حياتها.
فهمت إن النجاح مش مبنى كبير.
ولا منصب.
ولا شهرة.
النجاح الحقيقي إن الإنسان يسيب أثر.
أثر طيب.
يعيش بعده.
حتى لو هو نفسه رحل.
بعد شهور قليلة...
أعلنت سعاد قرار صدم الجميع.
قررت تتنازل عن جزء ضخم من ثروتها الشخصية.
وتحولها لصندوق دائم لعلاج الأطفال غير القادرين.
الناس استغربت.
البعض قال إنها مچنونة.
والبعض قال إنها بتبالغ.
لكن هي كانت مبتسمة.
لأنها أخيرًا عرفت هي عايزة تعمل إيه.
ومع مرور السنوات...
كبر المشروع.
وبقى من أكبر المشروعات الطبية الخيرية في مصر.
آلاف الأطفال اتعالجوا.
آلاف الأسر رجع لها الأمل.
وكل طفل كان بيخرج سليم...
كان كأنه رسالة جديدة من رسائل الخير اللي أبوها طلب منها تسيبها وراها.
وفي يوم من الأيام...
بعد أكثر من عشرين سنة.
كانت سعاد ست كبيرة في السن.
شعرها اختلط فيه الأبيض.
لكن ابتسامتها فضلت زي ما هي.
كانت ماشية في ممر المستشفى.
لما بنت صغيرة جريت عليها.
وقالت
حضرتك الأستاذة سعاد؟
ابتسمت.
أيوة يا حبيبتي.
البنت طلعت صورة قديمة.
وقالت
أنا اتعالجت هنا وأنا عندي سنة.
والدتي قالت لي إنك السبب بعد ربنا.
سعاد بصت للصورة.
وابتسمت.
ثم سألتها
ودلوقتي نفسك تطلعي إيه؟
البنت ردت فورًا
ممرضة.
سعاد ضحكت.
ونزلت لمستواها.
وقالت
خليكي أشطر ممرضة في الدنيا.
ثم مشت ببطء.
لكنها كانت سعيدة.
سعيدة بشكل عمرها ما حسّت بيه.
لأنها أدركت إن رسالتها اكتملت.
وإن الخير اللي زرعته بدأ يطرح ثماره في قلوب ناس عمرها ما قابلتهم.
وبعد سنوات طويلة أخرى...
لما رحلت سعاد عن الدنيا...
ماحدش افتكر عدد الفلوس اللي
كانت تملكها.
ولا عدد المباني اللي بنتها.
ولا عدد الجوائز اللي حصلت عليها.
لكن الناس افتكرت حاجة واحدة فقط.
افتكروا البنت البسيطة اللي جت يوم من الأرياف بشنطة قديمة وجزمة متواضعة.
واللي كادوا يطردوها لأنها مختلفة.
ثم اكتشفوا بعد ذلك...
أن أكثر شخص ظنوه ضعيفًا...
كان أقواهم جميعًا.
وأن أكثر شخص استهانوا به...
ترك وراءه أثرًا لا ېموت.
وفي مدخل المستشفى الكبير الذي حمل اسمها بعد رحيلها...
وُضعت لوحة صغيرة.
لم يكن مكتوبًا عليها عدد إنجازاتها.
ولا ألقابها.
ولا مناصبها.
كان مكتوبًا عليها سطر واحد فقط
هنا عاشت سعاد... امرأة آمنت أن الرحمة قد تغيّر مصير إنسان، فغيّرت مصير الآلاف.
تمت القصة.

تم نسخ الرابط