اهانتني عائلة زوجي

موقع أيام نيوز

جلس كابوس ذلك الليل الخانق فوق كاهلي منى عبد الرحمن كأنه جبل من رصاص، كانت الحقيقة قد تجلت أمامها عاړية كشجرة في مهب ريح الشتاء، بلا مساحيق تجميل ولا تبريرات واهية كانت تسكن بها آلامها طوال السنوات الماضية. استندت برأسها على خشب السرير البارد في غرفتها المغلقة، والملابس المبللة بمياه المطر تلتصق بجسدها ككفن مؤقت لامرأة ماټت فيها الرغبة في الټضحية المجانية. كانت دقات الساعة الحائطية في الصالة تقترب من منتصف الليل، وأصوات ضحكاتهم العالية المخلوطة بصوت التلفاز الصاخب تعبر شقوق الباب الخشبي، لتستقر في أذنها كمسامير تدق في نعش كرامتها المستباحة. لقد عاشت منى سبعة وثلاثين عامًا تؤمن بأن العطاء هو الحبل السري الذي يربط القلوب، وبأن الصبر على أذى الأهل حتى وإن كانوا أهل زوجها هو شيمة النساء الصالحات، لكن عظمة السمكة تلك، المتروكة بعناية وسط طبق من الأرز الجاف وكأنها صدقة تُلقى لحيوان ضال، كانت الحد الفاصل بين الزوجة الأصيلة والضحېة المغفلة.
في تلك الغرفة المظلمة، لم تكن منى تبكي؛ فالدموع رفاهية لا تملكها امرأة تقود منظومة تشغيل معقدة لشركة توزيع عملاقة تضم مئات الموظفين. كانت عيناها تلمعان ببريق بارد، كشفرة سکين شُحذت لتوها في الظلام. نظرت إلى هاتفها الذكي، وشاشة تطبيق البنك تعكس ضوءها الأبيض على وجهها الشاحب والمجهد. كانت أصابعها تتحرك بثبات وثقة غريبة، تلغي تفويضات الدفع التلقائي التي كانت تغذي هذه الشقة بالرفاهية على حساب صحتها وأعصابها. ألغت فاتورة الإنترنت الفائقة السرعة التي تستخدمها دينا طوال اليوم لرفع فيديوهاتها التافهة على السوشيال ميديا، ثم ألغت الدفع التلقائي لفواتير الكهرباء والغاز التي كانت تتكفل بها كاملة ليظل البيت مكيفًا شتاءً وصيفًا بينما هم يتمددون على الأرائك. ومضت أبعد من ذلك؛ أوقفت التحويل الشهري لشركة الأدوية التي تشحن علاج المفاصل والضغط الفاخر للحاجة أمينة، وهو العلاج الذي كانت منى تصر على شرائه من مستورد لضمان جودته، في حين لم يكلف حسام نفسه يوماً مشقة السؤال عن ثمنه أو حتى قراءة اسم الدواء. وأخيرًا، ألغت سداد الحد الأدنى لبطاقة ائتمان حسام، تلك البطاقة التي كان يستخدمها ليشتري بها سجائره الفاخرة ويجلس بها مع أصدقائه على مقاهي وسط البلد، مدعيًا دائمًا أن السوق مريح وأنه سيعوضها الشهر القادم.
حين انتهت من تصفية الحسابات الرقمية، شعرت وكأنها قطعت حبال الأكسجين عن غواصة مليئة بالطفيليات. التفتت نحو خزانتها الصغيرة المخفية وراء الملابس الشتوية الثقيلة، وأخرجت حافظة جلدية سوداء لا يملك حسام أو أمه علمًا بوجودها. فتحتها ببطء لتتأمل الأوراق الرسمية التي تحمل الأختام الزرقاء لجمهورية مصر العربية عقد ملكية الشقة، إيصالات سداد الأقساط بالكامل قبل زواجها منه بثلاث سنوات، شهادة توثيق رخص الأثاث والأجهزة الكهربائية التي اشترتها من مالها الخاص ومن مكافأة

تم نسخ الرابط