طلاق بدون دموع
كانت واقفة قدام باب المصعد بعد ما خرجت من المكتب، ماسكة شنطتها بإيد ثابتة وملامحها هادية بشكل غريب، لدرجة إن أي حد يشوفها يفتكر إنها الست اللي خسړت كل حاجة ومبقتش قادرة حتى ټعيط، لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا. أول ما باب المصعد اتقفل ونزل بيها للدور الأرضي، أخدت نفس طويل كأنها بتتنفس لأول مرة من سنين. عشر سنين كاملة وهي عايشة في ظل راجل أقنع نفسه وأقنع اللي حواليه إنه صاحب النجاح وصانع الإمبراطورية، بينما هي كانت العقل اللي بيحرك كل حاجة من ورا الستار. لما خرجت من المبنى، استقبلها السواق بفتح الباب الخلفي للعربية السودا الفخمة، ركبت من غير ما تتكلم، وبعد دقائق كان الموبايل بيرن. بصت للشاشة وابتسمت لأول مرة من الصبح. كان رئيس مجلس إدارة المجموعة الاستثمارية العملاقة اللي بقالها شهور بتتفاوض معاها بعيد عن الأضواء. ردت بهدوء، فسمعت صوته وهو بيقول كل حاجة جاهزة يا فندم، الاجتماع بكرة الساعة عشرة زي ما طلبتي. ردت ممتاز... وخلي كل أعضاء المجلس موجودين. قفل الخط وهي سرحت للحظة في ذكريات سنين طويلة من الإهانة والتجاهل. افتكرت أول يوم قابلت فيه جوزها السابق، وقتها كان مجرد شاب عنده أحلام كبيرة وإمكانيات محدودة. هي اللي آمنت بيه، وهي اللي استخدمت خبرتها وعلاقاتها علشان تفتح له أبواب ماكانش يحلم يدخلها. لما أسس شركته كانت هي اللي كتبت أول خطة عمل، وهي اللي أقنعت أول مستثمر يدخل معاه. لكنه مع الوقت بدأ يصدق الصورة اللي الناس رسمتها ليه، وبدأ ينسى مين اللي كان واقف جنبه في البداية. سنة ورا سنة، تحول الامتنان لتعالي، والشراكة لتبعية، والحب لعادة باردة. ولما دخلت السكرتيرة الجديدة حياته، لقى فيها فرصة يثبت لنفسه إنه لسه قادر يبهر الناس ويعيش دور الرجل الناجح اللي كل الستات بتجري وراه. أما هي، فاختارت الصمت. مش ضعفًا، لكن لأنها كانت بتراقب كل حاجة. كانت عارفة إن الغرور لما يكبر بزيادة بيبدأ ياكل صاحبه من جوه. في الناحية التانية، كان هو قاعد في مطعم فاخر مع أمه وسكرتيرته بيحتفلوا. أمه كانت مبسوطة بشكل هستيري وهي بتتكلم عن الجواز الجديد اللي لازم يتم بسرعة. والسكرتيرة كانت بتتصرف وكأنها بقت بالفعل سيدة القصر. أما هو فكان مستمتع بإحساس الانتصار. كان مقتنع إنه كسب كل حاجة في يوم واحد. تخلص من زوجة بقت مملة بالنسبة له، وقرب يوقع صفقة هتنقله لمستوى جديد من الثراء. فضلوا يضحكوا ويتكلموا لحد نص الليل، وهو ماكانش يعرف إن في نفس اللحظة تقريبًا فريق قانوني كامل كان بيراجع عشرات الملفات اللي تخص شركته. ملفات عمره ما اهتم يقرأ تفاصيلها بنفسه. تاني يوم صحى بدري ولبس أحسن بدلة عنده. وقف قدام المراية وهو مبتسم، واتخيل عناوين الصحف وهي بتتكلم عن الصفقة التاريخية. نزل الشركة فلقى الموظفين بيجهزوا القاعة الرئيسية للاجتماع. الكل كان متوتر ومتحمس. الساعة عشرة بالضبط دخلت سيارات فخمة قدام المبنى. نزل منها كبار المستثمرين ومديري الصناديق المالية. قلبه دق بسرعة من الحماس. دخلوا كلهم قاعة الاجتماعات، لكنه استغرب لما لقاهم مش بيبدوا اهتمام كبير بالكلام اللي بيقوله. كانوا مستنيين حد تاني. وبعد دقائق، الباب اتفتح. دخلت هي. بنفس الهدوء. بنفس الثقة. لكن المرة دي ماكانتش لابسة ملابس بسيطة زي اللي كان بيتريق عليها بسببها. كانت داخلة بخطوات ثابتة وحولها فريق كامل من المستشارين والمديرين التنفيذيين. القاعة كلها وقفت احترامًا.