زواج بالاجبار

موقع أيام نيوز

تنظر للأطفال اللي بقوا شبابًا وشابات.
وفجأة جري أصغرهم، اللي كان زمان بيعيط كل ليلة على أمه، وحضنها بقوة وقال
إنتِ مش أنقذتي العزبة بس... إنتِ أنقذتينا إحنا.
وساعتها حسّت إن كل ۏجع عاشته، وكل خوف مرت بيه، وكل خطوة دخلت بيها البيت ده وهي مجهولة وغريبة، كان ليه معنى.
لأنها ما كسبتش أرضًا ولا مالًا.
هي كسبت عيلة.
والعيلة دي كانت أعظم كنز ممكن تلاقيه في حياتها كلها.
مرت السنوات بسرعة لم يكن أحد يتخيلها. الأطفال الذين كانوا يقفون يومًا على سلالم العزبة بوجوه شاحبة وعيون خائڤة صاروا شبابًا وشابات يحملون أحلامهم بأيديهم. العزبة التي كادت تضيع أكثر من مرة أصبحت من أشهر المزارع في المنطقة كلها، وأصبح الناس يأتون من القرى البعيدة ليتعلموا من طريقة إدارتها، لكن أكثر ما كان يلفت انتباه الجميع لم يكن الأرض ولا المحصول ولا المال، بل الترابط الغريب بين أفراد تلك العائلة التي بدأت قصتها بالاضطرار وانتهت بالمحبة.
كان الأرمل قد شاب شعره، لكن ملامحه أصبحت أكثر هدوءًا. أما زوجته فكانت لا تزال تستيقظ قبل الجميع، تمر على المطبخ، تتفقد العمال، ثم تجلس قليلًا تحت شجرة المانجو القديمة التي شهدت أول أيامها في العزبة. كثيرًا ما كانت تتذكر تلك الليلة الباردة التي وصلت فيها وهي لا تملك سوى حقيبة صغيرة وبعض الثياب البسيطة. كانت تبتسم كلما تذكرت خۏفها يومها، لأنها لم تكن تعرف أن القدر يخبئ لها حياة كاملة خلف ذلك الباب.
وفي أحد الأيام اجتمع الأبناء الخمسة في السر. ظلوا يخططون لأسابيع طويلة دون أن يخبروا أحدًا بشيء. كانوا يريدون أن يفعلوا شيئًا لم تفعله العائلة من قبل.
وفي صباح مشمس من أيام الربيع طلبوا منها أن تخرج إلى الفناء.
استغربت.
خرجت وهي تمسح يديها في طرف ثوبها.
لكنها توقفت فجأة.
كان الفناء كله مزينًا بالزهور.
والعمال واقفين في صفوف.
وأهل القرية مجتمعين.
وفي المنتصف منصة خشبية كبيرة.
لم تفهم شيئًا.
ثم تقدم الابن الأكبر، ذلك الطفل الذي سألها يومًا وهي تعتني بأخيه المړيض إنتِ كمان هتمشي وتسيبينا؟
أما الآن فقد صار رجلًا قويًا.
وقف أمامها وعيناه تلمعان بالدموع.
وقال
يوم ما ډخلتي البيت ده كنتِ غريبة عننا.
سكت لحظة ثم أكمل
وإحنا كنا غرباء عنكِ.
ابتسم بحزن وقال
إحنا ما اديناش لنفسنا فرصة نحبك في البداية... لأننا كنا خايفين.
كانت الدموع تتجمع في عينيها.
أما هو فواصل كلامه
كنا خايفين إنك تسيبينا زي ما الدنيا كلها سابتنا.
وتقدم أخوه الثاني.
وقال
وأنا كنت فاكر إن محدش ممكن يهتم بينا تاني.
ثم تقدمت إحدى البنتين.
وقالت
كنت أفتكر إنك جاية تاخدي مكان أمنا.
وسكتت وهي تبكي.
ثم أضافت
لكنك ما حاولتيش تاخدي مكان حد... إنتِ صنعتي مكانك بنفسك جوه قلوبنا.
أما أصغرهم، الذي أصبح شابًا طويل القامة، فتقدم بخطوات بطيئة.
وقال بصوت مرتجف
أنا تقريبًا ما افتكرش ملامح أمي الحقيقية.
سكت الجميع.
وأكمل
لكني فاكر أول طبق شوربة عملتيه لينا.
ضحك بعض الحاضرين وسط دموعهم.
وأضاف
وفاكر أول مرة حضنتيني لما كنت تعبان.
وفاكر أول مرة دافعتي عننا.
وفاكر أول مرة حسيت إن عندي أم تانية بتحبني.
وفي هذه اللحظة لم تعد قادرة على حبس دموعها.
أما الأبناء فاقتربوا منها جميعًا.
وسلمها الابن الأكبر صندوقًا خشبيًا كبيرًا.
فتحته ببطء.
فوجدت بداخله أوراقًا رسمية.
نظرت إليهم باستغراب.
فقالوا لها
دي أوراق ملكية بيت جديد بنيناه ليكي في قلب العزبة.
ارتعشت يداها.
لكنهم لم ينتهوا بعد.
أخرجت البنت الكبرى صورة ضخمة مؤطرة.
كانت صورة للعائلة كلها.
الأب.
والأبناء الخمسة.
وهي في المنتصف.
وفوق الصورة كانت هناك عبارة محفورة بخط جميل
الإنسان اللي أنقذ عيلتنا.
لم تتمالك نفسها.
جلست على المقعد الخشبي وهي تبكي.
لكنها لم تكن دموع حزن.
كانت دموع سنوات طويلة من
تم نسخ الرابط