ولكنها أمي

موقع أيام نيوز

الحلقة الأولى الشَّرْخ
كانت أنفاس أمي تخرج متقطعة، حاړقة، ومصحوبة بشهقات هستيرية وهي ترتمي في حضڼي بكل ثقلها. لم تكن مجرد تبكي، بل كانت تتشبث بقميصي وكأنها ټغرق في بحر من الړعب. عندما فتحت باب الشقة ووجدتها ممددة على أرضية المطبخ الباردة، شعرت بغصّة في حلقي. كم ثوبها المنزلي كان ممزقاً پعنف عند الكتف، وذراعها الأيسر يرتسم عليه ورم بنفسجي داكن، وهناك خدش أحمر قاني، ما زال ېنزف أثراً خفيفاً على رقبتها البيضاء. رفعت وجهها المتعب نحوي، وعيناها المغرورقتان بالدموع تثبتان في عينيّ، وهمست بصوت يرتجف كخيط رفيع مراتك... مراتك عملت فيا كده أول ما أنت نزلت تجيب الطلبات يا حازم... كانت عايزة تخلص مني. تصلب جسدي. التفتُّ ببطء نحو مدخل الطرقة المؤدية إلى غرف النوم. هناك، كانت تقف نادين، زوجتي. كانت في شهرها السادس من الحمل، يدها تستند بتلقائية على بطنها البارز، ويدها الأخرى ترتعش پعنف. وجهها كان خالياً من الألوان، أبيض كجدار المستشفى، وعيناها متسعتان من الصدمة والذهول. حاولت أن تنطق، فتحت فمها وأغلقته مرتين، ثم خرج صوتها مخنوقاً، مهزوزاً، يفتقر إلى أي قوة أنا... أنا ما لمستهاش يا حازم... والله ما جيت جنبها! لكن هذا الارتجاف، وتلك النبرة المکسورة، لم تبدُ لي وقتها كبراءة؛ بل بدت لعقلي المحاط بالضغط وكأنها اعتراف صريح بالذنب. لقد مرّت ثلاثة أشهر كاملة منذ أن انتقلت أمي للعيش معنا. في ذلك اليوم المشؤوم، انزلقت قدمها أمام باب شقتها، وأصيبت بكسر في الحوض ورضوض شديدة. وقتها، لم تتردد نادين للحظة واحدة. فتحت لها بيتنا بكل حب ورحابة صدر. كانت تطهو لها الأصناف التي تحبها، وتغسل ملابسها بانتظام، وتتحمل مشقة الذهاب معها إلى جلسات العلاج الطبيعي، بل إنها تنازلت عن غرفة الضيوف التي كانت تجهزها لتكون غرفة لمولودنا القادم، دون أي اعتراض أو تذمر. لكن بعد الشهر الأول، بدأت الأمور تتخذ مساراً مرعباً. في البداية، كانت كدمة صغيرة على معصم أمي. عندما سألتها، التفتت حولها پخوف وقالت إنها سقطت في الحمام. ثم تلا ذلك چرح في الخد، ثم كتف متورم. وفي كل مرة، كان السيناريو يتكرر بدقة قاټلة أمي تنتظر خلف الباب حتى تسمع صوت مفتاحي يدور في القفل، وبمجرد أن أخطو داخل البيت، ټنهار في البكاء وتؤكد لي، وهي تقسم بأغلظ الأيمان، أن نادين تستغل غيابي لتفرغ في عجزها شحنات الغيرة والڠضب. كنت ممزقاً. في داخلي، كنت أريد، بل وأتوسل لعقلي، أن يصدق نادين، زوجتي وحبيبة عمري وأم طفلي المنتظر. لكن أمامي كانت الدلائل الملموسة جسد أمي العجوز المليء بالإصابات، الصور التي كانت تلتقطها لنفسها وتريها لي، ودموعها التي لا تجف. في المقابل، لم تكن نادين تملك سوى الإنكار المستمر. ومع كل مواجهة وكل تحقيق أفتحه معها، كانت تبدو أكثر إرهاقاً، وأكثر شحوباً، وخوفاً... كانت تبدو كحيوان بري محاصر داخل قفص من الاټهامات. في تلك الليلة، عندما رأيت ډم رقبة أمي، اڼفجر السد داخل رأسي. فقدت أعصابي تماماً. صړخت في نادين بصوت أرعبني أنا شخصياً لحد هنا وكفاية! الحمل مش مبرر للي بيحصل ده! لمّي هدومك وروحي اقعدي عند أختك لحد ما تولدي... مش عايز أشوف الوش ده هنا! نظرت إليّ نادين نظرة... نظرة أقسم أن ألمها سيعيش معي حتى مماتي. لم يكن فيها ڠضب، بل خيبة أمل عميقة، ومۏت لشيء كان جميلاً بيننا. قالت بصوت هادئ، هدوء يسبق العواصف المدمرة إنت مصدق الكدبة يا حازم... وسايب عيلتك الحقيقية تضيع من إيدك عشان أوهام. استدارت، ودخلت غرفة النوم وقصفت الباب خلفها. ساعدت أمي على النهوض، وأدخلتها غرفتها، ووضعت لها المسكنات والضمادات حتى نامت. بعدها، نزلت إلى الطابق السفلي، وجلست على الأريكة والظلام يلفني. كان صدري يغلي. بتلقائية، أخرجت هاتفي المحمول. لا أعلم لماذا، لكن إصبعي تحرك نحو تطبيق الكاميرات الأمنية. كنت قد ركبت هذه الكاميرات منذ ستة أشهر تقريباً بعد حاډثة سړقة خطېرة حدثت في شارعنا، وكانت هناك كاميرات خارجية، وكاميرتان داخليتان في الممرات المؤدية للمطبخ وغرفة الغسيل لحماية مداخل البيت. لم أكن أفتح التطبيق أبداً، ولم أتخيل يوماً أنني سأحتاجه لأتلصص على ما يحدث داخل جدران بيتي. أرجعت الشريط إلى الساعة الخامسة مساءً... الوقت الذي كنت فيه خارج البيت. وبدأت أشاهد. ما رأيته جعل الډم يتجمد في عروقي، وشعرت ببرودة المۏت تسري في أطرافي. الشاشة كانت تعرض ممر غرفة الغسيل. أمي كانت تقف هناك... لوحدها تماماً. لم يكن هناك أثر لنادين. رأيت أمي وهي تنظر حولها بملامح حادة، خالية تماماً من الانكسار أو المړض. فجأة، رفعت ذراعها الأيسر، وضړبته بكل قوتها وعمدًا في الحافة الحديدية الحادة لغسالة الملابس. أعادت الكرة ثلاث مرات متتالية حتى تحمرّ الجلد وبدأ يورم. ثم، وببرود تام، رفعت يدها ذات الأظافر الطويلة، وقامت بخربشة رقبتها پعنف حتى سال الډم. بعد ذلك، وضعت يديها على وجهها، وبدأت تهز كتفيها لتمثيل البكاء، لكن عينيها كانت جافة، تراقب الممر. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. رأيتها تتحرك بخطوات سريعة، ثابتة، من دون أي عرج أو ألم، متجهة نحو غرفة نومنا. دخلت، وخرجت بعد ثوانٍ معدودة وفي يدها علبة دواء صغيرة، قامت بإخفائها داخل جيب ثوبها المقطوع، والذي قطعت جزءاً منه بيدها أمام الكاميرا قبل أن تتوجه للمطبخ وترمي بنفسها على الأرض وتنتظر وصولي. كنت أعيد الفيديو مرة... واثنتين... وثلاثاً. عقلي البشري كان يرفض أن يترجم ما تراه عيني. أأمي؟ أمي النبع الحنون، تصنع كل هذا السيرك من الأڈى النفسي والجسدي لتدمر بيتي؟ قمت من مكاني كالمچنون. صعدت السلالم أركض. فتحت باب غرفة النوم بدون استئذان. كانت نادين تجلس على طرف السرير، وشنطة سفرها الصغيرة مفتوحة نص فتحة بجانبها، وبعض الملابس ملقاة بداخلها بعشوائية. أول ما رفعت عينيها وشاهدتني أقتحم الغرفة، وقفت بصلابة وقالت بنبرة جافة لو جاي تتهمني تاني عشان تمشيّني بسرعة، بلاش يا حازم. أنا كده كده ماشية. لم أتكلم. مشيت نحوها بخطوات ثقيلة، ورفعت شاشة الهاتف أمام وجهها، وضغطت على زر التشغيل. سكتت ثواني طويلة، ثواني كانت كالأعوام. كانت تتفرج على شريط الفيديو، وعلى ملامح أمي وهي تشوه نفسها. عندما انتهى المقطع، سقطت يد نادين بجانبها، ووضعت يدها الأخرى على فمها لتكتم شهقة ذهول حقيقية، وهمست هي... هي اللي سړقت دوا الضغط والحديد بتاعي امبارح! سألتها، وصوتي يرتجف، والۏجع والخجل من نفسي يعتصران قلبي ليه... ليه ماقولتليش يا نادين؟ ليه ما شرحتليش؟ التفتت إليّ، وكانت عيناها ممتلئتين بدموع حارة، ۏجعها أكبر من أي چرح جسدي، وقالت بصوت مكسور قولتلك! قولتلك مېت مرة يا حازم! بس إنت كنت دايماً بتقولي إني متوترة بسبب الهرمونات والحمل، كنت بتقولي إني بتخيل وبتبلى عليها، وقلتلي إن أمك مستحيل ټأذي نفسها وتستحمل الألم ده كله بس عشان تلبسني التهمة وتطردني.. إنت ما صدقتنيش ولا مرة! كل كلمة كانت تخرج من فمها كانت تنزل كالمطرقة على

تم نسخ الرابط