ولكنها أمي
تقدم الرجل الوقور وقال لي أستاذ حازم، أنا الدكتور نبيل، استشاري الأمراض النفسية والعصبية. أهلك أحضروا لي التقرير القديم وفيديو الكاميرات، وأنا قمت بزيارة والدتك في شقتها بطلب من خبا ومتابعتها عن بعد وبناءً على تاريخها الطبي. التشخيص واضح جداً.. والدتك تعاني من اضطراب نفسي حاد يتطلب حجزها فوراً في مصحة نفسية للعلاج المكثف، لأنها أصبحت تشكل خطراً على نفسها وعلى من حولها. انفتحت أبواب الغرفة فجأة، وخرجت نجوى على صوتنا. عندما رأت أقاربي والطبيب، قالت پغضب في إيه هنا؟ إنتوا جايين تعملوا مشاكل تاني؟ تقدم عمي محمود نحو نجوى، وانحنى أمامها باحترام وقال يا بنتي، إحنا جايين نشهد بالحق قدامكم كلكم. إحنا عرفنا إن نادين كانت مظلومة، وإن أم حازم مريضة نفسياً وهي اللي عملت كل ده في نفسها وفيكم. إحنا جينا نطلب السماح لنادين، ونقولها إن كرامتها فوق راسنا كلنا، وحازم مالهوش ذنب غير إنه كان بيبر أمه الجاهلة بمرضها. سمعت نادين الصوت من الداخل، وقالت بصوت ضعيف لكنه مسموع دخليهم يا نجوى. دخلنا جميعاً إلى الغرفة. كانت نادين تجلس على السرير، ووجهها شاحب، وعيناها غائرتان من التعب والبكاء. وقف خالي وعمي أمامها، وشرحوا لها الحقيقة كاملة، وأخبروها أن أمي سيتم نقلها اليوم إلى المصحة النفسية لتلقي العلاج رغماً عنها لحمايتها وحماية الجميع. نظرت نادين إليهم، ثم التفتت بنظراتها نحوي. كانت نظرة طويلة، باردة، خالية من العتاب الحاد، لكنها كانت مليئة بمسافة هائلة وصمت مرعب. قالت لأقاربي شكراً ليكم إنكم ظهرتوا الحق.. أنا كرامتي كانت تهمني قدامكم وقدام الناس. بس الحق لما بيظهر متأخر، مبيصلحش الكسر اللي حصل. التفتُّ إليها ودموعي تسيل على خدّي وقلت نادين.. أنا... قاطعتني بدموع حاړقة اخرج برة يا حازم.. مش عايزة أسمع صوتك. خرج الجميع وصمتوا، وأدركت أن اعتراف العائلة بالحقيقة رفع الظلم عن نادين، لكنه لم يرفع عني حكم الإدانة والخذلان الذي سجنني فيه صمتها.
الحلقة الثامنة رحلة العلاج النفسي
تم نقل أمي في ذلك المساء إلى إحدى المصحات النفسية المتخصصة في ضواحي القاهرة. تولى خالي رأفت وعمي محمود إنهاء الإجراءات القانونية والطبية، وقمت أنا بدفع كافة التكاليف المالية المطلوبة لعلاجها وإقامتها. ذهبت معهم لتوديعها، أو بالأحرى لرؤيتها وهي تدخل المصحة. كانت تبدو هادئة بشكل غريب، مستسلمة للقدر الجديد، وكأن طاقتها على التمثيل وصنع المؤامرات قد نفدت فجأة بمجرد كشف أمرها أمام الجميع. قبل أن تغلق بوابة المصحة، نظرت إليّ وقالت بصوت خاڤت سامحني يا حازم.. أنا كنت خاېفة تسبني لوحدي. لم أستطع أن أكرهها؛ فهي في النهاية أمي، والمړض النفسي هو الذي كان يحركها كالعروة في خيط رفيع. هززت رأسي وقلت لها ربنا يشفيكي يا أمي. وعدت إلى المستشفى فوراً. كانت الأيام تمر ببطء شديد. نادين ترفض تماماً التحدث معي، وكلما حاولت الدخول لغرفتها كانت تلتفت للجدار الآخر وتصمت. قررت أن أغير خطتي؛ لم أعد أترجاها للعودة، بل بدأت أهتم بابننا يوسف. كنت أقضي ساعات طويلة واقفاً أمام زجاج الحضانة، أنظر إلى ذلك الجسد الصغير الموصل بالأسلاك، وأبكي بصمت. بدأت أتحدث مع طبيب الأطفال المسؤول عن حالته يومياً، وأسأله عن نسبة الأكسجين ووزنه الذي كان يزيد بجرامات قليلة جداً كل يوم. في أحد الأيام، وبينما كنت واقفاً أمام الحضانة، شعرت بوجود شخص بجانبي. التفتُّ ووجدت نادين. كانت تتحرك ببطء وصعوبة، مستندة على حامل المحاليل، وتنظر إلى يوسف بعينين مليئتين بدموع الأمومة. تراجعت خطوة إلى الخلف لأترك لها المساحة، ولم أتكلم حتى لا تفر مني. نظرت إلى طفلها طويلًا، ثم همست بصوت مكسور شبهك يا حازم.. نفس ملامحك وإنت صغير في الصور. شعرت بقلبي ينبض پعنف. قلت بصوت منخفض جداً وكأنني أخشى الكلمات ياريت ما يطلعش شبهي في غبائي وقسۏتي يا نادين.. ياريت يطلع زيك في طيبتك وحنيتك. لم تنظر إليّ، وظلت عيناها مثبتتين على يوسف وقالت الدكتور قال لي إن حالته بدأت تستقر، وإنهم ممكن يشيلوا جهاز التنفس الصناعي بكره لو فضل كده. قلت أنا بصليله كل ثانية يا نادين.. وبصليلك إنتي كمان. تنهدت بحزن عميق، والتفتت لتعود إلى غرفتها دون أن ترد على كلماتي. لكن تلك الدقائق القليلة التي وقفنا فيها معاً أمام الحضانة، كانت بمثابة أول شعاع نور يخرج وسط الظلام الدامس، معلناً أن رحلة العلاج والترميم قد بدأت بالفعل، حتى وإن كانت ببطء شديد.
الحلقة التاسعة شروط الغفران
بعد مرور أسبوعين آخرين، تقرر أخيراً خروج يوسف من الحضانة بعد أن وصل وزنه إلى كيلوجرامين وتأكد الأطباء من سلامة وظائفه الحيوية ورئتيه. كان ذلك اليوم بمثابة عيد في المستشفى. جاء أهل نادين كلهم للاحتفال بخروج الطفل وتجهيز لوزام سبوعه. كنت واقفاً بعيداً، أحمل حقائب نادين وأغراض الطفل، وأشاهد الفرحة في عيونهم، شاعراً بأنني غريب عن هذه الفرحة التي كنت سبباً في تعسيرها. عندما وصلنا إلى سيارتي لنقل نادين والطفل، التفتت نادين إليّ وقالت بحسم أمام الجميع حازم.. أنا مش هرجع معاك البيت. ساد الصمت بين الحاضرين. قلت بغصّة في حلقي أمال هتروحي فين يا نادين؟ قالت هاروح بيت أختي نجوى.. يوسف محتاج رعاية وإنت عندك شغلك، وأنا مش هقدر أدخل البيت ده دلوقتي خالص. لو عايزنا نرجع في يوم من الأيام، فيه شروط لازم تتنفذ. هززت رأسي بسرعة وقلت موافق على أي شرط يا نادين.. قولي اللي إنتي عايزاه. قالت بنبرة صارمة وعينين حادتين الشرط الأول البيت القديم بتاعنا يتباع فوراً.. أنا مش هعيش في مكان كل ركن فيه بيفكرني بظلمك ليا وبدموعي وخۏفي. الشرط الثاني تشتري شقة جديدة في مكان تاني خالص، وتتكتب باسمي وباسم ابنك يوسف عشان أضمن إن مفيش حد يقدر ېهدد أماني أو يطردني من بيتي تاني تحت أي ظرف. الشرط الثالث والمهم إحنا الاتنين هنروح لطبيب علاقات زوجية ونبدأ جلسات علاج نفسي وتأهيل عشان نتعلم إزاي نثق في بعض تاني.. لأن أنا من جوايا مش قادرة أصدق أي كلمة بتقولها أو أي وعد بتوعدهوني. نظرت إلى نجوى وطارق وأهلها، ثم نظرت إليها وقلت بكل صدق وقوة شروطك كلها مجابة يا نادين.. من بكره الشقة المعروضة للبيع، وهبدأ أدور على مكان جديد، وحجزت فعلاً عند دكتور استشاري علاقات زوجية بناءً على نصيحة دكتور أمي. أنا مستعد أعمل أي حاجة وكل حاجة عشان أرجع الأمان لقلبك اللي أنا كسرته بيد الصمت والشك. لمحت نظرة رضا خفيفة جداً في عيني نادين، واعتدلت في جلستها بالسيارة وهي تحضن يوسف بقوة. تحركت بالسيارة ونقلتهم إلى بيت نجوى، وشعرت لأول مرة منذ شهر كامل أنني أتنفس هواءً نقياً، وأن شروطها الصارمة لم تكن عقاباً لي، بل كانت بمثابة طوق النجاة وجسر العبور الذي تمدّه لي لنعبر معاً فوق حطام الماضي.
الحلقة العاشرة بداية جديدة على أرض صلبة
دارت الأيام سريعة، ومرت ستة أشهر كاملة على تلك الليلة المشؤومة التي قلبت حياتي. في خلال
هذه الأشهر الستة، تغير كل شيء في حياتي بشكل جذري. قمت ببيع بيتنا القديم بكل ما فيه من ذكريات أليمة، واشتريت شقة جديدة واسعة ومشمسة في حي التجمع الخامس، وسجلت عقودها مناصفة بين نادين وابننا يوسف كما وعدت. قضينا أنا ونادين هذه الأشهر في حضور جلسات أسبوعية مكثفة مع استشاري العلاقات الزوجية. كانت الجلسات صعبة، ومؤلمة، ومجهدة نفسياً؛ حيث كنا نخرج كل المخاۏف، والشكوك، والترسبات القديمة، ونتعلم كيف نتحدث بصراحة ودون خوف، وكيف نبني الأمان والثقة خطوة بخطوة. أما أمي، فما زالت في المصحة النفسية. حالتها تحسنت كثيراً بفضل العلاج الدوائي والسلوكي الصارم، وأصبحت تزورنا العائلة بانتظام. أذهب لزيارتها مرة كل أسبوعين، أتحدث معها وأطمئن عليها، وأشعر بالسلام الداخلي لأنني لم أظلمها بالترك، ولم أظلم زوجتي بالبقاء تحت سقف واحد مع المړض. واليوم، هو يوم الانتقال إلى شقتنا الجديدة. كانت خيوط الشمس الذهبية تدخل من النوافذ الكبيرة لترسم لوحة من الدفء على الجدران البيضاء الجديدة. كانت نادين تقف في المطبخ، تجهز لنا القهوة وهي تبتسم وتدندن بأغنية هادئة. أما يوسف، فقد كبر وأصبح طفلاً جميلاً، بصحة جيدة، يجلس في مشّايته الصغيرة ويملأ الصالة بضحكاته الطفولية البريئة التي تمحو كل أثر للحزن. مشيت نحو نادين ببطء، ووقفت خلفها، ثم وضعت يدي حول خصرها برفق. لم تتباعد هذه المرة، ولم ترتجف؛ بل التفتت نحوي ووضعت رأسها على صدري، وتنهدت براحة عميقة. نظرت في عينيها وقلت بصوت مليء بالحب والامتنان مبروك بيتنا الجديد يا نادين.. مبروك البداية الجديدة. نظرت إليّ وابتسامتها الجميلة تعود لتنير وجهها وقالت الله يبارك فيك يا حازم.. الشقة دي ريحتها أمان.. وإنت رجعتلي الأمان اللي كنت فاكرة إنه ضاع للأبد. نظرت نحو يوسف الذي كان ينظر إلينا ويضحك، وشعرت بدمعة فرح تسيل على خدي. لقد كانت رحلة قاسېة، مظلمة، ومليئة بالأشواك والشرور؛ لكننا استطعنا بالحق، وبالصبر، وبالشجاعة في مواجهة أخطائنا، أن نحطم المؤامرة ونبني من حطام الزجاج جداراً صلباً وثابتاً من الثقة والحب، جداراً يحمي عيلتنا الحقيقية وبيتنا الجديد للأبد.