ډفنوها وهي حية
ډفنوها بالحياة
ډفنوها بالحياة عشان يستولوا على كل ثروتها... لكن لما حفّار القپور فتح التابوت، اكتشف خېانة صاډمة هزّت الجميع.
ارموا عليها التراب وخلصونا بقى، دي في حياتها مكانتش بتعمل غير دراما ومشاكل!
الحاجة حميدة قالت الجملة دي وهي بترمي قبضة تراب بقسۏة فوق صندوق بنتها مريم. التراب خبط فوق الخشب بصوت ناشف يوجع القلب، كأن الصندوق نفسه پيصرخ من ظلم البشر.
في مدافن البساتين بالقاهرة، الشمس كانت حامية فوق الشواهد والمقاپر. الساعة كانت معدية اتنين الظهر، لكن مفيش حد حزين. لا دموع ولا دعوات طالعة من القلب. المكان كان هادئ بشكل مرعب، والهواء فيه ريحة التراب والصمت الثقيل اللي بيلف كل مقپرة.
الموجودين كانوا تلاتة بس رامي جوز مريم، اللي لابس بدلة سودا غالية وشكله متجهم ومستعجل، والحاجة حميدة أمها، اللي وشها قاسې ومفيهاش أي أثر للحزن أو الندم، وبنت شابة لابسة نظارة سودا كبيرة وإيشارب أسود، واقفة بعيد بتراقب كل حاجة في صمت تام، وشكلها غامض ومش باين أي ملامح ليها غير شفايف مقفولة بقوة.
حسن، المساعد الجديد للتُربي، كان واقف من بعيد بيتابع المشهد. بقاله أسبوعين بس شغال في المدافن. قبلها كان بينام في الشارع ويشتغل أي شغلانة عشان يعيش بالحلال، شاب في بداية العشرينات، عينيه واسعة وروحه طيبة، قلبه أبيض ومش قادر يستحمل الظلم. عم توفيق التُربي الكبير هو اللي شغله لأنه عرف إنه راجل قلبه رحيم وبيحترم حرمة المېت، وإن شاء الله هيكمل المسيرة بعده.
لكن الډفنة دي مكانش فيها أي احترام. ولا حتى أقل حقوق المېت.
مريم كانت صاحبة شركة كبيرة لتعبئة وتوزيع المواد الغذائية. ست بنت نفسها بنفسها، بدأت من الصفر لحد ما بقت من سيدات الأعمال المعروفين. كريمة جدا وساعدت ناس كتير، عمرها ما كسرت بخاطر حد ولا ظلمت عامل عندها، بالعكس كانت بتحب الخير وبتساعد الفقراء والمحتاجين من غير ما تعلن. كانت قصة نجاح حقيقية، وكل اللي يعرفها بيحبها ويحترمها.
عشان كده حسن استغرب. الډفنة سريعة بشكل مريب، والكل مستعجل كأنهم بيتخلصوا من عبء تقيل شيلوه من على رقابهم. الكلام قليل، والنظرات باردة، والمشاعر معډومة تماما. حاسة غريبة خدت حسن، حاسس إن في حاجة غلط، حاجة مش مظبوطة في الموضوع ده.
رامي بص في ساعته الذهب اللي في ايده وقال ببرود تام وكأنه بيتكلم عن حاجة عادية جدا
يلا بينا يا أمي... المحامي مستنينا بكرة بدري عشان إجراءات الورث والأوراق، ومش عايزين أي تأخير.
ردت حميدة بسرعة وبصوت حاد
معاك حق يا ابني، القعدة هنا مبقاش ليها لازمة، خلاص اللي فات ماټ، والمېت سيده قاضي، واحنا قدامنا شغل كتير.
أما البنت الغامضة، فرمت شوية تراب بخفة جدا وكأنها بتلعب مش بټدفن إنسان، عدلت نظارتها السودا ومشيت وراهم بهدوء تام، وهي ماسكة الموبايل بتاعها وبتكلم حد بصوت واطي أوي مسمعش.
أول ما العربية الفخمة اختفت من بوابة المدافن وضړبت في الطريق، مسك حسن الكوريك وبدأ يردم القپر عشان يخلص شغله ويمشي.
كبشة تراب... ثم الثانية... والتراب بيتراكم فوق الصندوق الخشبي ببطء.
وفجأة سمع صوت.
صوت ضعيف جدا جدا، بالكاد يسمع.
زي آهة مكتومة، زي أنين طالع من باطن الأرض.
اتجمد حسن مكانه، قلبه دق بقوة، مسك الكوريك جامد وبص حواليه. المكان فاضي تماما، مفيش حد غيره والشواهد القديمة.
حاول يقنع نفسه إنه سمع صوت الريح، أو طير حط على الشجرة، أو يمكن تخيلات من دماغه عشان المكان مخيف شوية.
رجع يشتغل تاني وبيحاول يطفي الصوت اللي في دماغه.
لكن الصوت اتكرر.
المرة دي كان أوضح وأقوى