عُدتُ من الموتِ لأقولَ لكِ الحقيقة

موقع أيام نيوز

كامل، هروح قپره كل يوم.
الفصل الثاني زيارة كل يوم
بدأت رحلتي اليومية للمقاپر.. صيف وشتا، حر ومطر، ريحة تراب وريحة ورد. كنت بأخد باقة ورد صغيرة، وأروح أقعد قدام القپر بالساعات. المسح التراب عن اسمه المحفور في الرخام الأبيض ياسين كامل.. في حفظ الله.
أكلمه كأنه سامعني وبيرد عليا.. أحكيله على أخبار البيت، أحكيله على الجيران، أحكيله على القطة الشاطرة اللي كانت بتجري وراه كل يوم في الشارع وهي دلوقتي لسه بتيجي عند الباب بتدور عليه. كنت بحس بالسعادة الغريبة وأنا قاعدة هناك.. الهدوء الوحيد اللي كنت بلاقيه في حياتي كان وسط القپور.
كامل كان بيسخر مني.. كان بيقولي انتي مچنونة، انتي هتتأخري كتير؟، الناس بتتكلم، بس كلامه مبقاش ليه تأثير عليا.. قلبي كان هناك، عند قطعة التراب اللي تحتها غالي ونور عيني.
مرت سنة كاملة.. سنة طويلة زي الألف عام. وجاء يوم الاثنين، عصر يوم هادي بشكل مرعب.. الهوا ساكن، والشمس غابت شوية، والمكان كله سكون مخيف.
كنت قاعدة على الكرسي الخشبي القديم، وبمسح التراب عن الاسم بحنية.. وفجأة.. سمعت صوت.
صوت خاڤت جداً.. ضعيف.. بس واضح ومألوف جداً لدرجة إن الډم اتجمد في عروقي.
يمّا...
اتجمدت مكاني.. قلبي وقف دقة.. قولت في نفسي لا.. ده مجرد تخيل.. ده عقلي بيتعب بيا من كتر الحزن والوحدة.. أكيد سامعة صوت الريح.
حاولت أتنفس وأركز.. وسكتت شوية.
والصوت جه تاني.. أقرب.. وأوضح.. وله نبرة خوف ورجاء
يمّا.. ساعديني..
ساعتها مقدرتش أتحكم.. لفيت وشي ببطء شديد، رجليا بتترعش، وكلي بيقشعر.. وبصيت ناحية الصوت.
ورا صف الشواهد والقپور، وشخص واقف.. طفل صغير.
هدومه مبهدلة ومقطعة، وشعره طويل ومشطب، ووشه شاحب أبيض زي الورق ومغطى تراب.. بس العينين!
العينين اللي بحبها.. الوساع والبيض والسود اللامع.. كانت نفس عيون ياسين! نفس النظرة البريئة اللي مش ممكن أنساها مهما عشت.
وقفت مذهولة.. مش قادرة أتحرك، مش قادرة أتكلم، مش قادرة حتى أتنفس. خاېفة أتكلم يروح.. خاېفة أحرك يتبخر زي الحلم.
الطفل بلع ريقه بصعوبة، ومشي خطوتين ناحيتي وهو بيرتعش خوف، وبصلي بعينين مليانين دموع وحنين، وقال الجملة اللي قلبت كياني وحطمت كل الحقائق اللي عشتها سنة كاملة
يمّا.. أنا ياسين.. أنا ابنك..
ساعتها الأرض مادت بيا.. حسيت الدنيا بتلف بيا.. اللي واقف قدامي بلحمه ودمه، اللي بيتكلم وبيتنفس، هو ابني! الطفل اللي كامل أقنعني وأقنع الدنيا كلها إنه ماټ واتدفن من سنة!
الفصل الثالث الحقيقة المرعبة
جريت عليه وأنزل دموعي بغزارة.. حضنته بقوة كأني خاېفة يطير من بين ايديا.. شميت ريحته.. لمست وشه.. دافية.. حقيقية.. مش شبح.. مش حلم.. ده ياسين.. ابني اللي رجع ليا من المۏت!
مش عارفة كنت بعيط ولا بضحك.. مشاعر متلخبطة.. فرحة وړعب وحزن ودهشة كلهم اجتمعوا في لحظة.
ياسين.. يابني.. انت عايش؟ ازاي؟ فين كنت كل السنين دي؟ مين عمل فيك كده؟
الطفل مسك في هدومي ودموعه بتجري على خده
بابا.. بابا هو اللي عمل كده يا يمّا..
كلامه صعقني.. بابا إيه يا حبيبي؟ بابا ماټ؟
لاء يا يمّا.. بابا كامل.. هو خدني من البيت وقالي رايحين نلعب.. وجابني هنا.. وحطني في حتة ضلمة ومقفل عليا.. وقالي لو نطقت أو صوتت هيموتك..
اتسعت عينيا وړعب دخل قلبي مش عارفة أوصفه.. ازاي يا ياسين؟ وإزاي عشت؟ وإزاي خرجت؟
كان بيجيلي ياكلني كل شوية.. بس النهاردة نسى يقفل الباب كويس.. أو يمكن الباب انفتح من الريح.. أنا سمعت صوتك يا يمّا وعرفتك.. جريت لحد ما شوفتك..
الدنيا كلها بدأت تترتب في دماغي بشكل مرعب.. الصندوق المقفول.. شهادة الۏفاة المزورة.. البرود والقسۏة.. عدم البكاء..
تم نسخ الرابط