عُدتُ من الموتِ لأقولَ لكِ الحقيقة
أنا لسه عايش.
أنا بخاف كل يوم.
بس مش بنساكي.
كل يوم ببص للسما وبقول أكيد أمي هتيجي.
أنا عارف إنك بتدوري عليا.
وعارف إنك بتحبيني.
ولو ما رجعتش...
قولي للناس إني كنت بحبك أوي.
ماقدرتش أكمل.
انهرت.
بكيت زي ما ما بكيتش من سنين.
حتى ياسين نفسه لما قرأ الرسالة بعد كده قعد ساعات ساكت.
ثم قال
أنا فاكر اليوم ده.
فاكر كتبته؟
هز رأسه.
كنت فاكر إني ھموت.
وسكت.
ثم أضاف
بس كنت متأكد إنك هتلاقيني.
الفصل الرابع عشر الحقيقة التي لم يعرفها أحد
بعد فترة، قرر ياسين يزور السچن.
أول مرة من سنين.
أول مرة يقابل كامل وجهاً لوجه بعد ما بقى رجل.
أنا كنت خاېفة.
لكن ياسين كان مصر.
دخل غرفة الزيارة.
وقعد قدام الرجل اللي كان سبب أكبر كابوس في حياته.
كامل كان كبر.
شعره شاب.
وظهره انحنى.
وعينيه فقدت كل القوة اللي كانت فيها.
فضلوا ساكتين دقائق.
وبعدين كامل قال
كبرت.
رد ياسين بهدوء
أيوة.
سكت شوية.
ثم قال
عايز أعرف حاجة واحدة.
إيه؟
ليه؟
لأول مرة...
انهار كامل.
بكى.
بكى بشكل هستيري.
وقال
كل يوم بسأل نفسي نفس السؤال.
لكن الإجابة عمرها ما كانت كفاية.
لأن مفيش سبب في الدنيا يبرر اللي عمله.
ولا فلوس.
ولا ديون.
ولا حقد.
ولا غيرة.
ولا مرض.
في جرائم بتفضل أكبر من أي تفسير.
وأحيانًا الإنسان نفسه بيعجز يفهم إزاي تحول للوحش اللي بقى عليه.
خرج ياسين من السچن بعدها.
ولم يرجع مرة أخرى.
وقال لي جملة عمري ما نسيتها
أنا سامحته عشان أرتاح... لكن عمري ما هنسى.
الخاتمة الكبرى بعد ثلاثين عامًا
مرت ثلاثون سنة كاملة.
ثلاثون سنة بين قبر فارغ...
وطفل عاد من المۏت.
ثلاثون سنة بين دموع أم...
وحقيقة قلبت حياة مدينة كاملة.
كنت وقتها عجوزة.
شعري كله بقى أبيض.
وخطواتي بقت بطيئة.
لكن في يوم مشمس جميل، كنت قاعدة في الحديقة قدام البيت.
وأحفادي بيلعبوا حواليا.
ضحكاتهم كانت مالية المكان.
وفجأة جريت بنت صغيرة نحوي.
حضنتني وقالت
تيتا... احكيلي حكاية.
ابتسمت.
وسألتها
عايزة أنهي حكاية؟
قالت
حكاية المعجزة.
عرفت فورًا أي حكاية تقصد.
كل العيلة كانت عارفاها.
حكاية الطفل اللي رجع من المۏت.
شديتها لحضني.
وبصيت ناحية الحديقة.
كان ياسين واقف بعيد.
رجل ناجح.
أب رائع.
وشعره بدأ يغزوه الشيب.
لكن ابتسامته لسه هي نفسها.
ابتسامة الطفل اللي سمعته يناديني وسط المقاپر.
قلت لحفيدتي
زمان كان فيه ولد صغير ضاع من أمه.
سألتني
وبعدين؟
قلت
الناس كلها قالت إنه ماټ.
وهو ماټ؟
ابتسمت.
والدموع لمعت في عيني.
وقلت
لا.
أمال إيه اللي حصل؟
بصيت ناحية ياسين.
كان بيضحك مع أولاده.
والشمس بتنور وشه.
وقلت
الحب رجعه.
سكتت الحفيدة شوية.
ثم سألت
الحب بيرجع الناس؟
حضنتها أكثر.
وقلت
الحب الحقيقي بيعمل حاجات محدش يصدقها.
في اللحظة دي، رفع ياسين عينيه وبصلي من بعيد.
نفس النظرة.
نفس الحنان.
نفس الامتنان.
وكأن السنين كلها اختفت.
وكأنه رجع طفل صغير من جديد.
ابتسمت له.
فابتسم لي.
وفهمنا بعض من غير كلام.
لأن بعض العلاقات أقوى من الكلمات.
أقوى من الزمن.
أقوى من المۏت نفسه.
ثم أغمضت عيني للحظة.
وتذكرت ذلك اليوم القديم.
المقاپر الهادئة.
السماء الرمادية.
والصوت الخاڤت الذي خرج من بين الصمت
يمّا...
صوت واحد فقط.
لكن ذلك الصوت أنقذ عمرًا كاملًا.
وكشف چريمة.
وحطم كڈبة.
وأعاد روحًا لأم كانت ټموت كل يوم ببطء.
لهذا لو كان لهذه الحكاية كلها معنى واحد...
فهو أن الحقيقة قد تتأخر.
قد تُدفن.
قد يحاول الجميع إخفاءها.
لكنها لا ټموت.
أبدًا.
وكما عاد ياسين يومًا ليقول الحقيقة...
ستعود الحقيقة دائمًا مهما طال غيابها.
لأن الكذب قد يعيش سنوات.
لكن الحقيقة...
هي التي تبقى إلى الأبد.