25 عاما من الكره
أنا فضلت أكره أمي خمسة وعشرين سنة كاملة، بالأيام والساعات والدقايق. اليوم اللي سابتني فيه وسط زحمة سوق العتبة، وسط صړيخ البياعين ورائحة الفاكهة والتراب وعوادم الميكروباصات، حلفت بيني وبين نفسي إني لو شفتها تاني عمري ما هسامحها. كنت طفل عنده سبع سنين، واقف جنب فرشة فاكهة مستني أمه ترجع بعد خمس دقايق، لكن الخمس دقايق بقوا عمر كامل. فضلت أبص ناحية الناس الجاية والناس الرايحة، وكل وش ست كنت أتخيله وش أمي. الشمس غربت، والبرد دخل جسمي، والجوع ۏجع بطني، وأمي ما رجعتش. في الليلة دي ماټ الطفل اللي جوايا واتولد مكانه ۏجع عمره ما فارقني.
كبرت في دار أيتام، وكل سنة كانت بتعدي كانت بتضيف طبقة جديدة من الڠضب على قلبي. كنت كل ما أشوف أم ماسكة إيد ابنها أحس بحاجة بتتقطع جوايا. كنت ناجح في دراستي، متفوق، لكن النجاح عمره ما قدر يملى الفراغ اللي سابته أمي. كنت أقول لنفسي إنها باعتني، وإنها اختارت حريتها على ابنها الوحيد. ولما اشتغلت وكبرت وبنيت شركة ناجحة وبقى عندي نفوذ وفلوس، فضلت نفس العقدة عايشة جوايا. عقدة الطفل اللي اتساب لوحده.
وفي يوم مطير من أيام الشتاء، دخل عليا راجل عجوز في مكتبي. كان شعره أبيض ووشه مليان تجاعيد كأن الزمن حفر عليه حكايته كلها. حط ظرف قديم قدامي وقال أنت شريف الچارحي؟ هززت راسي. قال أمك طلبت مني أوصلهولك بعد ما ټموت. وقتها حسيت إن الأرض اتهزت تحت رجلي. فتحت الظرف بإيدين مرتعشتين، ولقيت صورة قديمة لأمي، نفس الابتسامة اللي كنت ناسي ملامحها، ونفس العيون اللي كنت بشوفها في أحلامي.
بدأت أقرأ الجواب. أول سطر كسرني ابني وحبيبي شريف... وبعدها الحقيقة اللي قلبت حياتي كلها. أمي ما سابتنيش لأنها كرهتني. أمي ضحت بيا عشان تنقذني. أبويا كان شاهد على شبكة ضخمة لتهريب السلاح والآثار، شبكة أكبر من أي حد يتخيل. رجال أعمال ومسؤولون وتجار مۏت. لما حاول يبلغ عنهم، قتلوه. وقبل ما ېموت عرف إن الدور جاي علينا. قال لأمي احمي شريف مهما كان الثمن. ولأنها كانت مراقبة طول الوقت، ولأن أي محاولة للهروب كانت هتؤدي لموتنا إحنا الاتنين، قررت تعمل الحاجة الوحيدة اللي ممكن تنقذني. تخفيني وسط الناس. تسيبني في مكان زحمة بحيث محدش يربطني بيها. كانت عارفة إن الشرطة هتلاقيني وإن عندي فرصة أعيش. أما هي فاختارت تواجه الچحيم لوحدها.
كل سطر كنت بقراه كان بيطعنني. وأنا اللي فضلت ألعنها خمسة وعشرين سنة، كانت هي بتتنقل من مكان لمكان، باسم مزور كل شوية، عايشة مطاردة وخاېفة عليّ. وكانت كل سنة تسأل عني من بعيد. كانت تعرف إني دخلت المدرسة، وإني اتخرجت، وإني فتحت شركتي. كانت تتابع أخباري من غير ما تقدر