25 عاما من الكره

موقع أيام نيوز

وبص لي.
وفي اللحظة دي افتكرت أمي.
افتكرت إيدي الصغيرة وهي بين صوابعها وسط زحمة سوق العتبة.
وافتكرت آخر نظرة بصتها لي قبل ما تختفي.
ولأول مرة بعد خمسة وعشرين سنة، فهمت معناها الحقيقي.
ما كانتش نظرة وداع.
كانت نظرة أم بتكسر قلبها بإيديها...
عشان تنقذ قلب ابنها من التوقف للأبد.
ومن يومها بطلت أزور قپرها وأنا طالب حقها.
وبقيت أزوره وأنا شاكر لها.
لأن فاطمة ما سابتش ابنها في السوق.
فاطمة فضلت واقفة تحرسه بعمرها كله... من بعيد.
بعد ثلاث سنين من الحكم على أفراد الشبكة، كانت الناس كلها فاكرة إن الحكاية انتهت، وإن شريف الچارحي أخد حق أبوه وأمه أخيرًا، وإن الچرح القديم بدأ يقفل. لكن الحقيقة إن بعض الچروح ما بتتقفلش بسهولة، لأنها مش مجرد ذكريات، لكنها عمر كامل اتبنى على فكرة غلط.
كنت كل ليلة أرجع بيتي وأقعد لوحدي في المكتب. أبص لصورة أمي اللي لقيتها في الجواب. الصورة نفسها اللي بقت أغلى عندي من أي حاجة أملكها. وأفضل أسأل نفسي سؤال واحد
لو كنت عرفت الحقيقة بدري...
كان ممكن ألحقها؟
السؤال ده كان بيموتني كل يوم.
وفي ليلة من الليالي، وأنا بقلب في الصندوق القديم اللي سابته أمي، لقيت ظرف صغير ما كنتش واخد بالي منه قبل كده.
كان مختبئ تحت بطانة خشبية في قاع الصندوق.
فتحت الظرف.
ولقيت رسالة قصيرة جدًا.
مكتوبة بخط أمي.
لو وصلت للرسالة دي يا شريف، يبقى لسه في حاجة أنت ما تعرفهاش.
وقفت مكاني.
كملت قراية.
في شخص طول عمره قريب منك... وأنا كنت متأكدة إن ربنا هيخليه سندك من غير ما تعرف.
هنا قلبي دق پعنف.
مين الشخص ده؟
قلبت الورقة.
ولقيت اسمًا واحدًا فقط.
مدحت عبدالسلام.
شهقت.
مدحت؟
مدحت مدير دار الأيتام.
الرجل اللي رباني.
الرجل اللي كان بيزورني كل أسبوع ويجيب لي الكتب والهدايا البسيطة.
الرجل اللي وقف جنبي لما دخلت الجامعة.
والرجل اللي حضر أول اجتماع في شركتي لما بدأت من الصفر.
كان بالنسبة لي أبًا ثانيًا.
لكن إزاي أمي تعرفه؟
وأهم من كده...
إزاي ما قالش الحقيقة طول السنين دي؟
في صباح اليوم التالي، ركبت العربية وروحت له فورًا.
كان بقى راجل عجوز جدًا.
قاعد في شرفة بيته الصغيرة يشرب شاي.
أول ما شافني ابتسم.
لكن الابتسامة اختفت لما شاف الرسالة في إيدي.
سكت طويلًا.
وبعدين قال
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
قعدت قدامه.
وقلت
إيه الحقيقة يا عم مدحت؟
تنهد.
وبص للسماء.
وبدأ يحكي.
قال إن أمي وصلت دار الأيتام بعد أسبوعين من اختفائي.
كانت متنكرة.
وخاېفة.
ومڼهارة.
وكانت عايزة تتأكد إني بخير.
وقتها شافها لأول مرة.
وقالت له كل حاجة.
حكت له عن المطاردة.
وعن الشبكة.
وعن مقټل أبويا.
وحلفته إنه ما يقوليش أي حاجة مهما حصل.
قال لي
كانت بتيجي تشوفك يا شريف.
اتجمدت مكاني.
قلت
إيه؟
قال
كل سنة تقريبًا.
حسيت إن أنفاسي وقفت.
قال
كانت تقف بعيد وتراقبك.
شافتك أول يوم مدرسة.
وشافتك وإنت بتاخد شهادة الإعدادية.
وشافتك يوم الثانوية.
وشافتك يوم التخرج.
وشافتك وإنت واقف قدام شركتك أول يوم.
كل كلمة كانت سکين.
كل لحظة كنت فاكر نفسي فيها وحيد...
كانت أمي موجودة فيها.
من بعيد.
خاېفة.
وممنوعة حتى من إنها تناديني باسمي.
وبعدين مدحت
تم نسخ الرابط