25 عاما من الكره
فتح درج قديم.
وأخرج صندوقًا صغيرًا.
وقال
ده أمانة عندي من زمان.
فتحت الصندوق.
ولقيت عشرات الصور.
صور ليا.
في مراحل عمري كلها.
صور كانت أمي هي اللي مصوراها.
في صورة وأنا بلعب كرة.
وفي صورة وأنا لابس بدلة التخرج.
وفي صورة وأنا بضحك مع أصحابي.
وفي كل صورة كانت فيه ملاحظة بخط أمي.
كبر قوي.
بقى شبه أبوه.
ربنا يحفظه.
نفسي أضمه مرة واحدة.
هنا انهرت.
انهرت تمامًا.
وبكيت بشكل عمري ما بكيت قبله.
مش على نفسي.
عليها.
على أم قضت خمسة وعشرين سنة تتفرج على ابنها من بعيد.
وتحرم نفسها من حضنه.
كل ده عشان يعيش.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
لأن مدحت قال فجأة
أمك كان عندها حلم.
مسحت دموعي.
وبصيت له.
قال
كانت نفسها تعمل مستشفى مجاني للأطفال.
سكت لحظة.
وأكمل
وكانت تجمع فلوس من شغلها البسيط طول السنين عشان الحلم ده.
ثم مد لي دفترًا قديمًا.
فتحت الدفتر.
ولقيت عشرات الصفحات.
رسومات.
أفكار.
تصميمات.
ملاحظات.
خطة كاملة لمستشفى أطفال.
كانت أمي تكتبها طوال سنوات هروبها.
وكانت حاطة عنوانًا في أول صفحة
حلم فاطمة.
في الليلة دي ما نمتش.
فضلت أقرأ الدفتر كله.
وأكتشف جانبًا جديدًا من المرأة اللي ظلمتها طول عمري.
اكتشفت إنها رغم الخۏف والمطاردة والوحدة، ما فقدتش إنسانيتها.
كانت بتحلم تنقذ أطفالًا غيرها.
أطفالًا فقدوا الأمان.
زي ما أنا فقدته.
وفي الصباح، أخدت قرارًا غير حياتي للأبد.
بعت جزءًا كبيرًا من أسهمي.
وبدأت تنفيذ الحلم.
استغرق البناء أربع سنوات كاملة.
أربع سنوات من العمل ليل نهار.
وأخيرًا جاء يوم الافتتاح.
مستشفى فاطمة للأطفال.
أكبر مشروع خيري في المنطقة.
حضر آلاف الناس.
وأطباء من كل مكان.
وصحفيون.
وأطفال كانوا محتاجين العلاج.
لكن بالنسبة لي، أهم شخص كان غائبًا.
أمي.
وقفت على المنصة.
وأمام الجميع قلت
أنا قضيت نصف عمري أكره إنسانة بريئة.
وقضيت النصف الآخر أتعلم معنى الټضحية.
المكان ده مش مجرد مستشفى.
المكان ده اعتذار.
سكت لحظة.
ودموعي نزلت.
وأكملت
اعتذار من ابن فهم الحقيقة متأخر جدًا.
الناس كلها كانت تبكي.
لكن في وسط الحضور، لفت نظري وجه عجوز أعرفه.
عم حسان.
كان واقف مبتسم.
اقترب مني بعد الحفل.
وقال
أمك لو كانت عايشة النهارده، كانت فخورة بيك.
ابتسمت لأول مرة من قلبي.
لكن عم حسان أخرج شيئًا صغيرًا من جيبه.
شيئًا جعلني أتجمد مكاني.
كان مفتاحًا قديمًا جدًا.
صدئًا.
وعليه رقم مكتوب.
سألته
إيه ده؟
قال بهدوء
آخر حاجة سابتها أمك.
قلت باستغراب
آخر حاجة؟
هز رأسه.
وقال
في مكان عمرنا ما فتحناه.
مكان كانت مخبياه من يوم اختفت.
وقالت ما يتفتحش إلا لما شريف يعرف الحقيقة كلها.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
نظرت إلى المفتاح.
ثم إليه.
فابتسم ابتسامة غامضة وقال
واضح يا شريف... إن حكاية أمك لسه ما خلصتش.