شړ حماتي و زوجي
فاهمة الدرس اللي الحياة حاولت تعلمه لها سنين.
لكن القصة ما انتهتش هنا.
بعد شهور قليلة من موضوع الوصية، بدأت تظهر مشاكل كبيرة بين بعض الأقارب بسبب الميراث.
ناس كتير كانوا معتبرين إن الثروة حق مكتسب ليهم.
بدأت الخلافات والمحاكم والدعاوى.
وفي وسط كل ده، بنتي عملت حاجة محدش توقعها.
بدل ما تبيع الأملاك أو تحتفظ بالفلوس لنفسها، قررت تنشئ مؤسسة خيرية صغيرة باسم جدتها.
المؤسسة كانت هدفها مساعدة الأمهات المطلقات والأطفال اللي اتعرضوا للتمييز أو الإهمال.
لما سمعت الفكرة لأول مرة، بكيت.
مش بسبب المؤسسة نفسها.
لكن لأن البنت اللي اتظلمت بسبب أفكار جدتها هي نفسها اللي قررت تحوّل ميراثها لمصدر خير للناس.
الخبر انتشر بسرعة.
صحف محلية كتبت عنها.
برامج تلفزيونية استضافتها.
ناس كتير بقوا يتكلموا عن قصتها كنموذج للصبر والنجاح.
وفي يوم من الأيام، اتدعينا لحضور مؤتمر كبير في العاصمة.
كان فيه رجال أعمال ومسؤولون وشخصيات مهمة.
وأثناء الحفل، أعلنوا عن جائزة خاصة لشخصية نسائية أثرت في المجتمع بشكل إيجابي.
ولما نطقوا اسم بنتي، القاعة كلها وقفت تصفق.
وأثناء صعودها للمسرح قالت كلمات بسيطة لكنها هزت كل الموجودين
زمان ناس كتير كانوا مقتنعين إن قيمة الطفل تتحدد قبل ما يتولد. النهارده أنا واقفة قدامكم علشان أقول إن قيمة الإنسان تتحدد بما يفعله في حياته، مش بنوعه ولا شكله ولا أصله.
التصفيق استمر لدقائق طويلة.
وأنا كنت قاعدة في الصف الأول، مش قادرة أمنع دموعي.
بعد الحفل، رجعنا البيت متأخر.
وفي الطريق سألتها
لو الزمن رجع بيكي، كنتي تتمني حاجة تتغير؟
ابتسمت وقالت
آه.
سألتها باستغراب
إيه؟
قالت
كنت أتمنى أقولك بدري إنك أعظم أم في الدنيا.
وقتها حسيت إن كل السنين الصعبة، وكل الدموع، وكل الإهانات، وكل الليالي اللي قضيتها خاېفة على المستقبل... اتحولت في لحظة واحدة إلى معنى.
معنى يستحق كل التعب.
لأن النجاح الحقيقي ما كانش المؤسسة ولا الجوايز ولا الفلوس.
النجاح الحقيقي كان إني قدرت أحافظ على إنسانية بنتي رغم كل اللي شافته.
وقدرت أربي إنسانة اختارت التسامح بدل الاڼتقام.
والبناء بدل الهدم.
والحب بدل الكراهية.
وفي تلك الليلة، وأنا أنظر إليها وهي تتحدث بحماس عن مشاريعها الجديدة وخططها لمساعدة المزيد من النساء والأطفال، أدركت أن القصة التي بدأت يومًا بإهانة قاسېة داخل غرفة مليئة بالأنانية، تحولت مع الزمن إلى حكاية انتصار لا تخصنا وحدنا، بل تخص كل إنسان تعرض للظلم ورفض أن يسمح للظلم أن يحوله إلى نسخة من ظالميه. وأن النهاية الحقيقية لم تكن يوم خرجت من ذلك البيت حاملة كرامتي، بل كانت يوم رأيت ابنتي تكبر وتصبح الإنسان الذي كنت أحلم أن تكونه... إنسانة تجعل العالم حولها أفضل مما وجدته.