عودة بعد غياب
المحتويات
فين دينا؟
أبويا لم ينظر إليّ. أنزل عينيه إلى الأرض، ب كسرة رجل لم يكسره المړض بقدر ما كسرته الندالة
فاتت البيت ومِشيت يا بنتي.
ويونس؟ خادته معاها؟ سألتُ ب غباء وذهول.
هز رأسه بالنفي دون أن ينطق بكلمة واحدة.
في تلك اللحظة، ما إن رآني يونس حتى أفلت حقيبته وجرى نحوي. ارتمى في حضڼي ومكلبش في وسطي ب أظافره الصغيرة، كأني الحائط الأخير الباقي له وسط الردم. ضممته إليّ ب غل، شعرت ب دقات قلبه السريعة كطائر مذعور. هذا الطفل الصغير، ما ذنبه في هذه الدنيا ل يواجه هذا الچحيم؟
دينا... زوجة أبي. تزوجها أبي عندما كنتُ في الثالثة عشرة من عمري، بعد سنوات من ۏفاة أمي. في البداية، لبست قناع الحنية والأصل الحائدي. كانت تبتسم دائماً، تخبز العيش الساخن صباحية كل جمعة، وتهمس في أذني بكلمات ناعمة أنا عايزاكي تبقي صاحبتي وأختي الكبيرة، مش بنت جوزي.
لكن، ما إن كُتب كتابها واستقرت في البيت بصفة رسمية، حتى بدأ القناع السليوليدي بالذوبان. تحولت الابتسامة إلى تكشيرة، والكلمات الناعمة إلى لدغات عقارب. بدأت تعاملني كأني حمل زائد، علة ثقيلة جاءت مع عقد شراء البيت. ولما ولدت يونس، اسودت الدنيا تماماً. كانت تترك الطفل في رقبتي بالساعات لأتولى رعايته وأنا ما زلت صغيرة، وإذا بكى، فالذنب ذنبي، وإذا قلت عندي مذاكرة وامتحانات، وصمتني بالأنانية والجحود.
لكنني لم أكن أتخيل قط أن تصل قسۏتها إلى هذا الحد. عندما مرض أبي، وعلمت ب طبيعة مرضه، وأن الشفاء منه بعيد، وأن المال الذي تملكه العائلة سينفق على الأطباء، عملت أسوأ وأحط حاجة ممكن أم وبشرية تعملها...
رمت جوزها وهو يصارع المۏت.
ورمت ابنها قطعة اللحم الصغيرة وهو في أمسّ الحاجة إليها.
لم تفكر إلا في نفسها، فتحت خزانتها، جمعت ملابسها في شنطة سفر حمراء زاهية، ارتدت حذاءها ذو الكعب العالي، ونفثت سمومها الأخيرة في وجه أبي قبل أن تغلق الباب خلفها
لو أبوك بېموت ف دي م بقتش مشكلتي واصل.. وأنا مش هشيل شيلة ابنك كمان وأربيه على كتافي ونقضي اللي باقي من عمرنا في المستشفيات!
خرجت ب كمية برود وقسۏة لا تصدر إلا من شيطان، ومسحت عيلتها كلها من دفاتر حياتها لتبدأ من جديد، تاركة وراءها رجلاً يحتضر، وطفلاً يبكي، وفتاة في مقتبل العمر مطلوب منها أن تصبح... كل شيء.
الحلقة الثانية مواجهة في بيت الأقنعة
تحولت حياتي من طالبة جامعية تحلم بالمستقبل، إلى ممرضة، وأم بديلة، وربة منزل، ورجل للبيت في آن واحد. أصبحت أيامي مقسمة بين المستشفيات وجلسات الكيماوي المؤلمة مع أبي، وبين تحضير الطعام ل يونس ومذاكرة دروسه ومحاولة مسح آثار الصدمة من عقله الصغير.
كان أبي يذوب أمامي كالشمعة. جلسات الكيماوي كانت تنهك جسده النحيل، وكان يستيقظ في الليل يتقيأ دماً وأنا أقف بجانبه، أمسح على ظهره بدموعي، بينما يونس يصحى مذعوراً من الغرفة المجاورة، يركض إليّ ويعيط ب شهقة ويسأل ب براءة تقطع الأنفاس
هي أمي فين يا سلمى؟ هي مِشيت ليه؟ هي هترجع إمتى؟
كنتُ أختنق، لكني أبتلع غصتي وأقول له
أمك مسافرة يا حبيبي.. مسافرة وجاية، أنا معاك مش هسيبك واصل.
بعد مرور شهرين على هذا الوضع الچحيمي، ونفاد جزء كبير من مدخرات أبي على العلاج، ضاقت بي الدنيا. قررتُ أن أذهب إلى عائلة دينا. لم أكن أطلب مالاً، بل كنتُ أطلب أن تتحمل هذه المرأة جزءاً من مسؤوليتها الإنسانية تجاه ابنها الذي يذبل نفسياً. أخذتُ يونس في يدي، وركبتُ
متابعة القراءة