العم الطماع

موقع أيام نيوز

الفصل الأول غبار السنين وجدران الدكان القديم
لم يكن حاج عبد التواب مجرد صاحب بقالة صغيرة في أطراف القرية، بل كان وتدًا تجذرت فيه مروءة الزمان الطيب. بدأ حياته والفقر ينهش في أطراف جلبابه، يطوف الأسواق الشعبية حاملاً على كتفه صندوقًا خشبيًا صغيرًا يحوي خردوات وبضائع بسيطة، يبيع بالقرش والقرشين ليجمع ثمن رغيف الخبز. في تلك الأيام الخالية، لم يكن له معين سوى زوجته زينب، الصابرة الرضيعة بالمر والصلابة، التي باعت قرطها الذهبي الوحيد لتعينه على استئجار دكان صغير في وسط البلدة.
بنت زينب وعبد التواب المحل حجرًا حجرًا، وصارت البقالة بمرور السنين نبض المنطقة؛ ثلاجة قديمة يطن محركها كعجوز يئن، رفوف خشبية تفوح منها رائحة التوابل والبن المستورد، وصناديق الحلوى الملونة التي يركض نحوها أطفال القرية في الصباح والمساء. كانت البقالة مصدر الرزق الوحيد الذي ستر العائلة، ومنها بنوا بيتهم البسيط المكون من طابقين يعلوه سقف من الطوب الأحمر يحميهم من هجير الصيف وأمطار الشتاء. رزقهما الله بعد سنوات طويلة من الصبر بابنتهما نور، التي أشرقت على حياتهما كشمس دافئة، وكان عبد التواب لا يناديها إلا ب أميرتي الصغيرة، معتبرًا إياها مكافأة السماء على رحلة الشقاء.
في المقابل، كان هناك الجانب المظلم من العائلة، الأخ الأكبر عاصم. كان عاصم نقيض عبد التواب في كل شيء؛ رجل جشع، يرى في الناس أرقامًا وفي الحياة غنائم يجب اقتناصها. غادر القرية منذ أكثر من عشرين عامًا بعد أن استولى على ميراث شقيقاته الإناث تحت بند العُرف، واستقر في العاصمة ليدير أعمالاً مشپوهة وتجارة لا يعلم أحد مصدرها. لم يسأل عاصم يومًا عن أخيه عبد التواب في أيام ضيقه، ولم يرسل قرشًا واحدًا للمساعدة عندما ډمرت السيول جزءًا من سقف الدكان قبل سنوات. كان يعيش في برجه العاجي، بينما يطحن شقيقه الأصغر الصخر ليعيش بكرامة.
تبدلت الأحوال قبل ستة أشهر، حين نزل المړض بساحة عبد التواب كضيف ثقيل لا يرحم. بدأ الأمر بسعال متقطع، ثم بآلام حادة في الصدر، انتهت بتشخيص مرير لمرض خبيث ينهش رئتيه يومًا بعد يوم. تحولت حياة الأسرة الصغيرة إلى چحيم من المستشفيات وجلسات العلاج الكيماوي التي اسټنزفت ما ادخروه من قروش قليلة. لكن عبد التواب، رغم ضعف جسده ونحول وجهه واصفرار جلده، لم يفقد أبدًا اهتمامه بتفاصيل بقالته وأهل بيته. كان يستدعي زينب وهو على فراش المړض في المستشفى، يمسك بعباءتها ويسألها بنبرة متقطعة هل فتحتِ المحل اليوم يا زينب؟ هل سددتِ حساب تاجر الجملة؟ لا نريد أن يدخل جوفنا قرش حرام.. انتبهي لدفتر الديون، اعفِ عن المعسرين منهم.. ونور، أميرتي، لا تجعليها تشعر بضيق.
وفي ذروة المړض، حين علم عاصم أن أيام أخيه باتت معدودة، ظهر فجأة في القرية. لم يأتِ باكيًا أو مواسيًا، بل جاء راكبًا سيارة فارهة، يرتدي بدلة من أفخم الأقمشة، وساعة ذهبية تلمع في معصمه، وعلى وجهه ابتسامة مريبة تخفي خلفها أنياب ذئب. دخل المستشفى مدعيًا صلة الرحم وهو يقول أنا أخوك الكبير يا عبد التواب.. سيبني أساعدك، أنت في محڼة والدم لا يصبح ماءً. لكن عبد التواب، بنقاء سريرته وبصيرته التي صقلها المړض، لم يكن يثق فيه أبدًا. كان يرى في عيني أخيه نظرة الصقر المتأهب للانقضاض على چثة هامدة. كان يتوتر كلما دخل عاصم الغرفة، ويلتفت لزوجته زينب محذرًا إياها بصوت واهن أوعِ تتركي البنت مع عاصم لوحدها يا زينب.. وإياكِ أن تصدقي أي كلمة يقولها

تم نسخ الرابط