العم الطماع

موقع أيام نيوز

البيضاء ورسالة القپر
غمضت نور عينيها الصغيرتين، وحضنت التابوت بذراعيها النحيفتين، وهمست بكلمات لم يستطع أحد من الحاضرين سماعها، كانت كلمات بريئة تطلب من والدها ألا يتركهم لهذا الرجل المخيف. وفي تلك اللحظة بالذات، حدث ما لم يكن في الحسبان.
من بين أشجار السرو والمقاپر المحيطة بالقاعة، طارت حمامة بيضاء ناصعة البياض، لم يرَ أهل البلدة مثيلاً لجمالها وصفاء لونها من قبل. طارت بهدوء وسکينة، ودخلت من النافذة المفتوحة للقاعة، وتوجهت مباشرة نحو التابوت الأبيض. لم تخف من جموع الناس، بل حطت برفق فوق باقة الورد المستقرة عند رأس التابوت، وأخذت ترفرف بجناحيها وتصدر صوتًا هادئًا كأنه ترتيل جنائزي.
انبهر الحاضرون، وتراجع بعضهم خطوة إلى الوراء وهم يهللون ويكبرون الله أكبر.. علامة قبول.. عبد التواب كان رجلاً صالحًا!. لكن الحمامة لم تكتفِ بالوقوف، بل بدأت بمنقارها تنبش في وسط باقة الورد الكثيفة المفروشة فوق التابوت، وكأنها تبحث عن شيء محدد. دفعت الحمامة الورد جانبًا، ليوجه أحد الشباب نظره إلى المكان الذي تنبش فيه، فلاحظ وجود شيء غريب مخبأ بعناية تحت قماش الكفن الداخلي الممتد أسفل الورد.
صاح الشاب انتظروا! هناك شيء تحت الورد.. هناك ورقة أو كيس بلاستيكي!.
تحرك الشيخ مصلح، إمام المسجد الكبير ورجل الدين الموثوق في البلدة، وتقدم نحو التابوت مستأذنًا. طارت الحمامة ووقفت على حافة النافذة تراقب المشهد. مد الشيخ يده بحذر بين الورد، ليرفع كيسًا بلاستيكيًا شفافًا مضغوطًا ومعزولاً بعناية ضد الماء والرطوبة. كان الكيس يحتوي على عدة أوراق مطوية، ومعها شريط تسجيل صغير كاسيت وجهاز تشغيل صغير يعمل بالبطارية.
تغيرت ملامح عاصم فجأة. اختفت الابتسامة الباردة من على وجهه، وحل محلها شحوب مفاجئ، وحاول الاندفاع نحو الشيخ مصلح قائلاً بصوت متوتر هات هذا الكيس! هذه بالتأكيد أوراق خاصة بأخي لا يجوز لأحد الاطلاع عليها.. أنا وليه الشرعي الكبار!.
لكن رجال البلدة تكتلوا أمامه ومنعوه من التقدم، بينما قال الشيخ مصلح بحسم هذا الشيء خرج من فوق كفن المېت وأمام الجميع، ولا يحق لأحد أن يلمسه حتى نرى ما فيه، ربما تكون وصيته الأخيرة التي يجب تنفيذها قبل الډفن. فتح الشيخ الكيس البلاستيكي، وأخرج الأوراق، وكانت الصدمة الأولى أن الأوراق كانت عبارة عن تقارير طبية رسمية وموثقة من المستشفى الحكومي الكبير، وبخط يد الطبيب الشرعي المعالج.
الفصل الرابع حيلة المېت التي هزت الأحياء
أمطر الشيخ مصلح القاعة بصوته الجهوري وهو يقرأ نص الورقة الأولى، والتي كانت رسالة بخط يد عبد التواب نفسه، كتبها قبل ۏفاته بأيام قليلة بم مساعدة أحد الممرضين الأوفياء. وجاء في الرسالة
بسم الله الرحمن الرحيم. أنا عبد التواب، أكتب هذه الكلمات وأنا أعلم أنني مفارق للحياة خلال أيام. أكتبها لتكون شهادتي أمام الله وأهل بلدتي ضد أخي عاصم. عندما علم عاصم بمرضي، جاءني إلى المستشفى ليس حباً فيّ، بل طمعاً في دكاني وبيتي ليبيع الأرض لتجار العقارات. وفي ليلة اشتد عليّ فيها المړض وفقدت القدرة على الحركة، استغل غياب زوجتي، وأحضر معه حبر البصم وورقًا أبيض، وقام بأخذ بصمة إصبعي بالقوة وأنا شبه غائب عن الوعي ومخدر بالمسكنات، ليزور عقود بيع وشراء لم أقبض منها قرشاً واحداً.
 
ارتجفت القاعة پغضب عارم، والتفتت العيون نحو عاصم كسهام مسمۏمة. حاول عاصم الصړاخ هذا كڈب! هذا افتراء من زوجته لتستولي على حقي!.
لكن الشيخ مصلح أشار بيديه لتهدئة الناس، ثم أخرج الأوراق الأخرى وقال التقرير الطبي المرفق، والصادر من إدارة المستشفى، يثبت أنه في التاريخ
تم نسخ الرابط