البنت اليتيمة
المحتويات
أن يهرب الوقت عندي طلب غريب جدًا.. أرجوك ما تمشيش قبل ما تسمعني وتوافق. ابتسم يوسف ابتسامات خفيفة مهدئة، وقال بوقار أنا سامعك يا عمري، اتفضلي قولي.
أشارت ليلى بيدها الصغيرة نحو ساحة المدرسة الداخلية وقالت وصوتها يهتز النهاردة حفلة تخرجي من رابعة ابتدائي، وأنا الأولى على الصف. كل الأولاد والبنات جايين بأهاليهم، بس أنا ماما ماټت وبقت في السماء، وتيتا أمينة تعبانة في الفرشة ومش قادرة تمشي وتيجي معايا. سكتت لحظة، وبلعت ريقها بصعوبة، ثم أضافت بصوت خاڤت كأنه الهمس ينفع تمثل إنك بابا؟ بس النهاردة.. بس لحد ما الحفلة تخلص عشان محدش يشوفني لوحدي؟.
تجمد يوسف الخطيب في مكانه كأن صاعقة أصابت أركانه. ليس بسبب غرابة الطلب، بل بسبب ذلك الۏجع النظيف والعميق في صوت الطفلة؛ الۏجع الذي لا يتسول مالاً ولا طعاماً، بل يطلب لحظة ستر وكبرياء أمام أقرانها. سألها بهدوء وهو يحاول السيطرة على نبرة صوته اسمك إيه يا شطورة؟. ردت ببرراءة اسمي ليلى مراد.
في تلك اللحظة، شحب وجه يوسف تغيرًا طفيفاً، وعبرت عيناه غيمة من الذهول والاضطراب؛ فاسم العائلة مراد لم يكن اسماً عابراً في حياته، بل كان جرحاً قديماً نازفاً طواه الزمن قسراً. لكنه أخفى ارتباكه بسرعة، ومد يده الكبيرة ليمسك بيدها الصغيرة المرتجفة وقال لها بابتسامة حانية من اللحظة دي لحد آخر الحفلة.. أنا بابا يوسف، ومفيش أي قوة في الدنيا هتقدر تخليكي تقعدي لوحدك.
الفصل الرابع تصفيق في الصفوف الأولى
دخل يوسف إلى قاعة الاحتفال الكبرى ممسكاً بيد ليلى، وكان يمشي ببطء متعمداً ليجاري خطواتها الصغيرة، بينما كان يحمل حقيبتها القماشية المتواضعة بيد، وبيده الأخرى يحيط كتفها النحيل كأنه يحميها من نظرات الفضول. الټفت بعض المعلمين والإداريين بذهول وهم يرون رجل الأعمال الشهير، الذي كان من المفترض أن يجلس في منصة الشرف، يتوجه مباشرة نحو مقاعد أهالي الطلاب في الصفوف الأولى ويتخذ مكاناً له هناك.
أجلست ليلى نفسها في صف الخريجين، وكلما انتابها الخۏف أو التفتت برأسها إلى الخلف، كانت تجد يوسف جالساً في مكانه، يبتسم لها بثقة، ويرفع لها يده مشجعاً. في تلك اللحظات، بدأ الخۏف ينسحب من عيني الطفلة ليحل مكانه فخر عظيم لم تذقه من قبل. بدأت مراسم الحفل، وصعد الأطفال واحداً تلو الآخر لاستلام شهاداتهم وسط ترحيب وتصفيق عائلاتهم.
وحين صعد مدير المدرسة إلى المنصة، وأمسك بالميكروفون وقال بصوت جهوري والآن مع الطالبة المتفوقة.. ليلى مراد، صاحبة المركز الأول على مستوى الصف وبتقدير امتياز، وقف يوسف الخطيب من مقعده قبل أن يشعر بنفسه، وصفق بحرارة وقوة هزت أركان القاعة، والتفتت إليه أنظار الأهالي بإعجاب وتقدير لهذا الأب الذي يبدو عليه الثراء والفخر الشديد بابنته. صعدت ليلى درجات المسرح ب ثبات، وضمت شهادتها المذهبة إلى صدرها، ونظرت إلى يوسف والدموع تلمع في عينيها كحبات اللؤلؤ، وابتسمت ابتسامة أذابت قلوب الحاضرين.
الفصل الخامس كلمة تهز القاعة وسلسلة تكشف المستور
طلب المدير من ليلى، ب صفتها الأولى، أن تلقي كلمة قصيرة نيابة عن زملائها. أخذت الطفلة الميكروفون بيدين ترتجفان من شدة التأثر، وقالت بصوت طفولي ناصع رن في أرجاء القاعة الصامتة أنا كنت خاېفة جداً الصبح.. كنت خاېفة أقعد لوحدي وملاقيش حد يصفق لي لما اسمي يتقال لأن ماما في الجنة وتيتا تعبانة.. بس ربنا كريم كبير، وبعت لي بابا يوسف لمدة يوم واحد عشان يسندني وميسبنيش لوحدي.
ضحك بعض الحاضرين من رقة وعفوية الجملة، وظنوها دعابة طفولية
متابعة القراءة