جوزي طلع إبن امه

موقع أيام نيوز

الحلقة الأولى ظلّ الخديعة
في تلك الليلة، لم يكن بالبيت سوى صمت ثقيل يشبه الصمت الذي يسبق العواصف الكبرى. كنت أقف أمام مرآة غرفتي في فيلتي الأنيقة بوسط القاهرة، أرتدي ثوبًا منزليًا بسيطًا، وأتأمل الملامح التي غيرتها الأيام. لم أعد تلك الفتاة الساذجة التي تزوجت من سامح قبل أربع سنوات وهي تظن أن الحب يكفي لبناء أمة. كنت نورا، سيدة الأعمال التي أسست من الصفر شركة للحلول الرقمية والاستشارات المالية، ونجحت في تحويل فكرة صغيرة في غرفة دراستها إلى كيان استثماري يشار إليه بالبنان. لكن داخل هذا البيت، كان النجاح حريمة، والقوة خطيئة، والصبر ذنبًا يرتكب كل يوم.
تزوجت سامح وأنا أعتقد أنه السند. كان يملك حضورًا طغى على قلة خبرته العمليّة، وبناءً على خديعة العاطفة، جعلته شريكًا إداريًا في بعض أجزاء أعمالي، وفتحت له حسابًا مشتركًا ليدير منه النفقات العائلية والتطوير. لم أكن أعلم أنني أفتح أبواب بيتي لأفعى تتربص بي. ولم تكن المشكلة فيه وحده، بل في تلك المنظومة العائلية المسمۏمة التي أحاطت بي والده المتوفى ترك خلفه أمًا تسعى للسيطرة الكامنة، الحاجة سوسن، وابنته الصغرى شيرين، التي نشأت على فكرة أن كل ما يملكه الآخرون هو حق مكتسب لها لمجرد أنها توجد في نفس الفضاء.
كان العشاء في تلك الليلة نقطة تحول لم يدركوا عمقها. كنت قد عدت من اجتماعات مضنية مع مستثمرين أجانب، مجهدة حتى العظم. دخلت البيت لأجد سامح يجلس في الصالة العريضة، وإلى جواره أمه تتصفح إحدى المجلات، وشيرين تضع قدميها على الطاولة الرخامية. لم ينظر إليّ أحد منهم بترحيب. كأنني خادمة دخلت للتو من الباب الخلفي.
قال سامح بنبرة جافة دون أن يرفع عينيه عن هاتفه العشا فين؟
قلت له بنبرة منهكة سامح، أنا لسه داخلة البيت حالا.. الترانزيت والاجتماعات هدوا حيلي، ممكن نطلب حاجة خفيفة أو نعمل حاجة سريعة مع بعض؟
هنا فقط، رفع رأسه. كانت عيناه تحملان ذلك البريق الغريب من الخۏف المقنع بالعدوانية. نهض من مقعده بخطوات بطيئة، واقترب مني. أمه لم تحرك ساكنًا، وشيرين ابتسمت بسخرية خفيفة. وقبل أن أستوعب المسافة بيننا، ارتفعت يده بالهواء لتسقط على وجهي بصڤعة مدوية. قلم لم يكن قوياً بحد ذاته بقدر ما كان مشحوناً برغبة مريضة في الإهانة. كتمت أنفاسي. لم أصرخ. لم أبكِ. كان الذهول يفوق الخۏف.
واللي صدمني ما كانش القلم... اللي صدمني بجد إن كل اللي قاعدين اتصرفوا كأن اللي حصل ده حاجة عادية جدًا.
جوزي بص لأمه وأخته، وضحك، كأن اللي عمله مجرد موقف بسيط. قال وهو متضايق العشا كان المفروض يبقى جاهز من عشرين دقيقة.
أمه رفعت كوباية العصير وقالت ببرود الست اللي ما تعرفش تعمل أكلة بسيطة... لازم تتربى.
أخته ابتسمت وهي قاعدة بكل ثقة وقالت ادخلي اعملي المكرونة... وإلا استحملي اللي هيحصلك.
من تلات شهور، الكلام ده كان هيخليني أرتجف. لكن الليلة دي... كل اللي عملته إني لمست طرف شفايفي، وبصيت للتلاتة قاعدين على سفرتي... جوه بيتي... تحت النجفة اللي أنا اللي دفعت تمنها. كانوا فاكرين إني ضعيفة... بس الناس كتير بتفتكر إن الست الهادية معناها إنها خاېفة.
ابتسمت بهدوء وقلت حاضر.
جوزي ابتسم بانتصار وقال اعملي كمية تكفي الكل.
دخلت المطبخ وقفلت الباب بهدوء. وسمعتهم بيتكلموا برا وهم متأكدين إني سامعاهم. أمه قالت أهو بدأت تتعلم. وأخته ردت هي مالهاش مكان تروحله... هو متحكم في كل حاجة.
وده كان أول غلط وقعوا فيه. هو ما كانش متحكم في كل حاجة.

تم نسخ الرابط