اللؤلؤه
المحتويات
كنت عارف إني دايما أقدر أعتمد عليك
وأنهى المكالمة في بعض المجاملات وهو يشعر بالارتياح يغمره فهاهو يقترب من ولده أكثر ويحاول أن ينسيه موقفه السابق وتخاذله في نصرته دعا الله أن يقبل ولده وأن يعيده إلى كنفه مجددا
الفصل التاسع
عاد أدهم للمنزل من عمله مرهقا للغاية فهو لم ينم طوال الليل ويعمل منذ الصباح المبكر وضغوط العمل كأنما تعمدت أن تزداد اليوم كان الوقت متأخرا خاصة أنه سهر في الشركة عدة ساعات بعد انصراف الموظفين والساعة تخطت منتصف الليل لم يتوقع أن يجد والدته مستيقظة تشاهد التلفاز الكبير في استقبال الفيلا وكأنها تنتظره شعر بالدهشة وتوجس خيفة لابد أنها تنتظره بالتحديد وشعر بالقلق من الأمر الذي تنتظره بسببه وتمنى من الله ألا يسبب بينهما مشكلة من أي نوع أغلق الباب خلفه فالتفتت والدته ناحيته ابتسم ابتسامة واسعة وأقبل نحوها وملامح وجهه تنطق بالإرهاق رأته والدته بهذا الشكل وعلمت أنها اختارت الوقت المناسب لتحادثه بخصوص عمل دينا في الشركة فهو مجهد يشتاق للراحة ولن تلح كثيرا قبل أن يستسلم حتى ينال قسطا من الراحة وطالما أخذت منه وعدا حتى وإن لم يرده فسوف يفي به بادلته الابتسامة ومدت يدها إليه قائلة
أدهم تعالى ياحبيبي شكلك مرهق
اتجه إليها وأمسك بيدها وجلس إلى جوارها على الأريكة المريحة وغاص فيها محاولا الاسترخاء أسند رأسه لمسند الأريكة وأغمض عينيه في تعب وهو يرد
جدا يا أمي الشغل النهاردة كان صعب خاصة وإني مانمتش بالليل
مسحت على شعره برفق ولم ترد معلقة على سبب عدم نومه فهي لا تريد استثارته وتعلم مكانة أخاه عنده لذلك تجاهلت الأمر وقالت بحنان
معلش ياحبيبي ربنا يعينك بكرة آدم ييجي يشتغل معاك ويساعدك
فتح عينيه وتطلع إليها في دهشة منذ متى تتحدث أمه عن أخيه برفق وهدوء هكذا لكنها استطردت لتنهي دهشته
حبيبي عاوزة منك طلب
تخطى دهشته وعلم أن السبب في سهرها سيظهر الآن فاعتدل في مجلسه وأعطاها انتباهه قائلا
خير ياحبيبتي محتاجة حاجة
صمتت لحظة ثم حاولت اختيار كلماتها حتى لا تغضبه
أيوة ياحبيبي محتاجة منك خدمة عشان عمو مصطفى
اندهش مرة أخرى أما هي فكانت تعلم أن اقتران طلبها برجل يحترمه أدهم سيقلل من حدته فأكلمت
دينا بنت عمو مصطفى باباها تعب معاها نفسه تتعلم الشغل عملي وتنزل معاه الشركة بس بتنزل يومين وترجع تتدلع وماتروحش الشغل إنت عارف إن شركة باباها مصيرها لها بعد عمر طويل وباباها نفسه يبقى عندها الكفاءة والخبرة الكافية اللي تخليها تمشي الشركة بعده صح المشكلة إنها دلوعة وهو كمان مدلعها ومش بيرفض لها طلب ولو قالت تعبت أو مش عاوزة بيسيبها
ظلت الدهشة محفورة على وجهه وهو يتساءل
طيب وايه المطلوب مني يا أمي
فريدة ببطء
المطلوب منك ياحبيبي شدة ودن وشوية حزم تخليها تتعلم الالتزام
أدهم باستغراب
أنا اللي هاشد ودنها مش فاهم يا أمي وضحي من فضلك
فريدة
أيوة يا أدهم عاوزين نشغلها في شركتنا في أي حاجة مناسبة لتعليمها بحيث تتعلم الالتزام وإن المكان ده مش هتتدلع فيه زي شركة باباها ولو غلطت أو قصرت هتتحاسب وأنا متأكدة إنها هتلتزم عندنا لأنها بتحترمك وبتقدرك
أدهم وقد غلى ڠضبا لكنه لم يظهره
مستحيل يا أمي أنا آسف دينا مش بتاعة شغل أصلا وحتى شكلها وطريقة لبسها مش مناسب لشركتنا ولو اشتغلت عندنا هيحصل مشاكل بينا وبين عمو مصطفى لأني هاعاملها زي أي موظف وبالتالي الآنسة دلوعة مش هتتقبل
فريدة محاولة التحدث بهدوء
عشان خاطري ياحبيبي طنط ناريمان نفسها البنت تتعلم حاجة تستفيد بيها ونفسها حد يسيطر عليها باباها مدلعها بزيادة ومش بيحب يضغط عليها إنما إنت هيبقى معاك الحق في أي حاجة بتعملها معاها في الشغل لأنها بتشتغل عندك مش في شركتها
أدهم بلهجة حازمة قاطعة
معلش يا أمي اعفيني من الموضوع ده الشركات كتير أصحاب عمو مصطفى وبرده ممكن يشغلوها ويسيطروا عليها ويعلموها
فريدة وقد بدأت العصبية تتسلل لصوتها
ايه يا أدهم دي أول مرة منك حاجة تخص الشغل بتحرجني مع طنط ناريمان وكمان باباك مع عمو مصطفى
أدهم منهيا الحوار
طيب إنت قلت بنفسك أهو في الشغل وشغلي مش باحب حد يتدخل فيه خصوصا يا أمي إنك عارفة إني مش باطيق دينا أصلا فعاوزاني اشغلها معايا وكمان احتك بيها واشد لها ودانها لا آسف مش هأقدر
ثم وقف وأمه تكاد تشتعل ڠضبا وهو يكمل
تصبحي على خير يا أمي
وانطلق صاعدا لغرفته فاستوقفته أمه قائلة بعصبية
للدرجة دي يا أدهم طلبي سهل ترفضه بأقولك الراجل اللي بتحترمه محتاج منك خدمة تقوم ترفض بسهولة كده وبرده عشان حاجة شخصية المفروض مالهاش علاقة بالشغل لما بييجوا يزورونا بتعاملهم بطريقة مش ظريفة وقلت ماشي مشاعرك وإنت حر فيها لكن ده يعتبر بيزنس مالوش علاقة بحاجة تانية واحدة هتبقى موظفة عندك تعاملها زيها زي أي واحدة تانية وحتى لو غلطت تعاقبها زيها زي غيرها
كان الأمر منتهيا بالنسبة ل أدهم والنقاش فيه لن يغير من رأيه فلم يعلق كثيرا واكتفى بقول
تصبحي على خير يا أمي وانسي الموضوع ده خالص
انفعلت والدته أكثر وهتفت
أدهم لما أكون بأكلمك تقف وتكلمني وباحترام وذوق وعينك معايا
شعر بالڠضب فهاهي تستغل احترامه لها الټفت إليها في صمت ونظر إليها فقالت بعصبية
إنت فاكر عشان بتدير الشركة إنها بقت بتاعتك خلاص تتحكم وتؤمر فيها براحتك دي شركة باباك يا أدهم وشركتي انا وأختك كمان ومن حقي أأمرك وتنفذ حتى في الشغل مادام يعتبر مالي فاهمني ولا لا
صمت أدهم لثوان كأنما يهضم ماقالته ثم نطق أخيرا بهدوء قائلا
نسيتي إن آدم له في الشركة كمان حاجة تاني يا أمي
ذهلت السيدة من تجاهل ابنها التام للأمر وكادت تفقد أعصابها أكثر لولا بقايا من عقل منعتها طلبا للتهدئة حتى يرضخ في النهاية فحاولت الالتفاف حول الأمر
خلاص يا أدهم أنا هأكلم باباك وهو يشوف شغله معاك
رفع أدهم حاجبه في استخفاف وهو يثق بقرار والده قائلا
طيب يا أمي وأوعدك لو بابا وافق دينا هتيجي تشتغل في الشركة من بكرة
برقت عيناها في ظفر فهاهي حصلت على وعدها وهي تعلم تماما أن والده موافق منذ البداية فأشاحت بوجهها قائلة
خلاص يا أدهم هأكلم بابا ونبقى نشوف
ثم التفتت إليه منبهة
وماتنساش وعدك لأن أنا عارفة إن بابا مش هيتأخر وهيساعد مصطفى
عقد حاجبيه في ضيق فهو لم يضع في حسبانه تلك النقطة لكنه قال
طيب يا أمي مش هأنسى بعد إذنك
لم ترد وتركته يصعد لغرفته وهو يشتعل ڠضبا ويكاد يسقط من التعب
في اليوم التالي علم أدهم كم كان مخطئا عندما أخبره والده أنه يرغب في عمل دينا في الشركة كخدمة بسيطة لصديقه العزيز والدها وللمرة الثانية يضطر أن يقبل بعمل أحدهم بدون استحقاق كامل من وجهة نظره على الأقل لكنه في النهاية رضخ لرغبة والده متجاهلا علامات الانتصار التي انطبعت على وجه والدته وكأنها تغيظه بها وفي نفس الأسبوع حصلت دينا بالفعل على عمل مناسب لها في الشركة حرص فيه والده أن يكون أقرب مايمكن من ابنه ليحدث الاحتكاك بينهما بشكل مباشر في أغلب الأوقات وطبعا كانت دينا تكاد تطير فرحا بحدوث مارغبت به ومنذ اليوم الأول وهي تحاول ڼصب الشباك حوله مستخدمة شتى الطرق التي تعتقد أنها يمكن أن توصلها لقلبه وبالتالي ثروته على الرغم من جموده وصده الدائم لها وأحيانا بطريقة فظة للغاية لكنها كانت دوما أكثر تجمدا وبرودة من ثلوج القطب الشمالي وكل مايهمها هو الوصول لبغيتها في النهاية
وعلى الجهة الأخرى وبعد محاولات إقناع عديدة بين أدهم وأخاه آدم لقبول الشقة من صديق والدهما ومن والدهما استسلم آدم للأمر وقبلها كهدية من والده الذي أخبره أنها ليست هدية بل هي من حقه ومن ماله كذلك استقر به وبصغيره الحال وسجله في مدرسة قريبة من شقته ومقر الشركة أيضا واستقرت الأمور وكان اليوم هو أول يوم
يعود فيه آدم للشركة ولمكتبه الذي تركه فيها منذ سنوات طوال كان أدهم أكثر سعادة ربما من
والده وأخاه لعودة آدم للشركة والعمل معه ومر بنفسه عليه يومها صباحا ليصطحبه تاركا سيارته وهو يخبره أنه سيوصله بنفسه ذهابا وعودة كان آدم يتطلع إليه في صمت وحب وذهب معه سعيدا للعمل وانتهى اليوم وقد استقر كل
في المركز المناسب له وعاد آدم مديرا لحسابات الشركة والمسئول الأول عن دراسات الجدوى والمناقصات بها وعضوا في مجلس إدارتها أما جمانة فأنهت عملها الذي كان شاقا في ذلك اليوم وتوجهت مسرعة للنزول فذكرى ميلاد صغيرتها كان اليوم وهي تريده يوما استثنائيا ربما لن تقيم لها حفلا لكن سيخرجون سويا ويقضون يوما ممتعا في إحدى مدن الملاهي الشهيرة بصحبة نورا وطفلها لذلك ما إن انتهت مواعيد العمل الرسمية حتى اتجهت للمصعد وضغطت زر استدعائه وهي تبحث عن الهاتف ومفاتيح السيارة في حقيبتها حتى وجدتهما ضغطت أزرار الهاتف بسرعة حين وصل المصعد وفتح بابه فاندفعت داخله وهي ترفع الهاتف إلى أذنها لكنها اصطدمت بشخص داخله وسقط هاتفها أرضا مفككا نظرت للهاتف بحسرة ثم رفعت عينيها لترى الشخص الذي اصطدم بها وكسر هاتفها ولم يعتذر فارتطمت عيناها بالعينين البنيتين الساخرتين والشفتين اللتين انحنى أحد طرفيهما لأعلى في ابتسامة ساخرة صغيرة أصابتها بالحنق أعقبه التعليق الأكثر سخرية
مدام جمانة برده مش تبصي قدامك
صمتت للحظة ثم قالت في حنق
باشمهندس أدهم معلش ماخدتش بالي كنت مستعجلة
وحاولت الانحناء لتجميع الهاتف المفكك لكنه سبقها وجمعه وركبه وفتحه وأعاده إليها مستمرا في سخريته وهو يقول
اتفضلي جت سليمة المرة دي
هزت رأسها في ڠضب واستدارت تنظر للجهة الأخرى عندما سمعت صوتا يقول في دهشة
جمانة معقولة
التفتت مرة أخرى في استغراب لتنظر للرجل الآخر الواقف بجوار أدهم والذي لم تلحظه في البداية من غيظها ثم رفعت حاجبيها في دهشة وهي تهتف في نوع من السعادة
دكتور آدم مش ممكن إزي حضرتك
وصل المصعد لجراج الشركة وفتح بابه فخرجت منه جمانة يتبعها أدهم ثم آدم الذي بدت سعادة حقيقة على وجهه تعادلها دهشة كبيرة على وجه أخيه حين قال
أنا الحمد لله إنت عاملة ايه وأخبارك ايه في الدنيا
جمانة بسعادة من استعاد ذكرى جميلة
الحمد لله يادكتور وحضرتك عامل ايه ماسمعناش عن حضرتك من ساعة ماسافرت وسبت الكلية
آدم بترحيب
الحمد لله تمام أهو الحال ماشي سافرت كندا وكنت
هناك طول الفترة اللي فاتت ويادوب لسه راجع من حوالي أسبوعين
ثم علا وجهه قليل من الدهشة وهو يستطرد متسائلا
إنت بتشتغلي هنا ماكنتش أعرف إن حسام ممكن يخليكي تشتغلي في يوم من الأيام
قالها وابتسم في حين ظهرت نظرة حزن عميقة في عينيها وهي تجيب
حسام الله يرحمه يادكتور
آدم بارتباك حزين
لا حول ولاقوة إلا
متابعة القراءة