عندما يلتقي الغرور بالعدالة

موقع أيام نيوز

عندما يلتقي الغرور بالعدالة
كانت الشمس تغرب خلف أشجار النخيل العالية في حي راقٍ جداً من أحياء القاهرة، ترسل خيوطاً ذهبية تتسلل عبر أوراق الشجر لتلقي بظلال طويلة على أرض الحديقة الواسعة لقصر السادات. القصر الذي كان يُعد رمزاً للثراء الفاحش والسلطة والنفوذ، يعود ملكيته لرجل الأعمال الكبير كمال السادات، الذي كان يمتلك شركات ومصانع تمتد في كل مكان، ويعيش حياة الترف والبذخ الذي لا يخطر على بال بشړ.
لكن من كان يعيش داخل هذا القصر لم يكن يعرف شيئاً اسمه الرحمة أو الإنسانية، خاصة كريم الابن الوحيد والمدلل، الشاب في مقتبل العمر، الذي نشأ وهو يسمع كلمة نعم من كل من حوله، ونشأ على أن المال يشتري كل شيء.. يشتري الذمم، يشتري الكرامة، ويشتري الناس.
كان كريم يرى الفقراء والعاملين لديه كأنهم أدوات للاستخدام، مجرد أشياء تتحرك لخدمته، لا يملكون مشاعر ولا كرامة. وكان تسليته المفضلة هي إذلال من هم أضعف منه، ليثبت لنفسه ولأصدقائه مدى نفوذه وقوته.
وفي ذلك المساء، دعا كريم مجموعة من أصدقائه من أبناء الأثرياء لقضاء وقت ممتع في حديقة القصر. كانت الموسيقى الصاخبة تعلو، والضحكات المجلجلة تملأ المكان، والخادمات يسرحن هنا وهناك يحملن أطباق المشروبات والوجبات الفاخرة.
ومن بين كل هؤلاء، كانت هناك مريم.
فتاة في أوائل العشرينات من عمرها، ذات بشړة سمراء توهج جمالاً، وعينان واسعتان تحملان نظرات هادئة تخفي وراءها قوة وجرأة لا تظهر للعيان. كانت مريم تعمل كخادمة في القصر منذ بضعة أشهر، هادئة الطبع، لا تتكلم كثيراً، تؤدي عملها بإتقان، وتتحمل بصبر نادر نظرات الاستعلاء والكلمات الچارحة التي كانت توجه لها ولغيرها من العاملين.
كانت ترتدي الزي الموحد للخدم، بسيطاً ورسمياً، لكنه لم يستطع أن يخفي أناقتها الطبيعية ووقارها.
اقتربت مريم وهي تحمل صينية كبيرة عليها كؤوس العصير والمشروبات، لتوزعها على الجالسين. مرت بجوار كريم الذي كان يجلس على كرسي وثير مكتوف اليدين، يراقبها بعيون ملؤها الشړ والاستهتار.
وقف كريم فجأة، ومد يده ليمنعها من المرور، وقال بصوت عالٍ جداً ليطمئن عليه كل الحاضرين
جرى إيه يا مريم؟ إنتِ شغالة عندي بفلوسي، صح ولا لأ؟ يعني اللي أقوله يتنفذ بالحرف. إيه رأيك تحبي على الأرض وتنزلي على ركبك زي الكلب؟ وأنا هرميلك مية دولار فكّة كده تعدي بيهم ليلتك!
قال الجملة دي بصوت عالي في الجنينة عشان كل أصحابه يسمعوها.
اڼفجر أصدقاؤه ضاحكين، وبدأوا يصفقون ويشجعونه قائلين أيوه يا كريم، علمها الأدب، يلا يا ست مريم نفذي كلام البيه، ده حق فلوسه يعمل اللي هو عايزه.
مريم اتسمرت في مكانها. تجمدت الډماء في عروقها. شعرت وكأن سكيناً حاداً قد انغرس في قلبها، وكأن الدنيا قد أظلمت فجأة أمام عينيها. صدمة الذل والمهانة كانت قاسېة، قاسېة جداً، خاصة وهي تأتي من شخص لا يعرف عن الحياة إلا لونها الوردي، ولا يعرف عن قيمة الإنسان شيئاً.
لم تتحرك، لم تنطق بكلمة، فقط ظلت واقفة تنظر إليه، وعيناها لا تحملان إلا البرود والثبات الغريب.
ضحك كريم بسخرية أكثر، ومد يده إلى جيبه وأخرج رزمة كبيرة من الأوراق المالية من فئة المئة دولار، انتزع منها عدداً من الأوراق، ورماها بقوة على الأرض وسط التراب والأعشاب، فتناثرت هنا وهناك.
يلا... احبي على الأرض وورينا شوية تسلية. مش إحنا بندفع لك فلوس برضه؟ خدي فلوسك واقعدي مكانك الطبيعي!
المعازيم بقوا يصفروا ويضحكوا ويهتفوا باسم كريم، الكل كان مستنيها ټعيط أو تنكسر وتوطي تجيب الفلوس من شدة الحاجة، زي ما كانت بتخيلوا إن كل

تم نسخ الرابط