عندما يلتقي الغرور بالعدالة

موقع أيام نيوز

فلوسها ولا منصبها، لكن عشان أخلاقها العالية وتواضعها الجم.
وبينما هي ماشية وداخلة المكان، لمحت شخص واقف في الاستقبال، بيشتغل بجد ونشاط، شكله متغير كتير، نحف شوية، وعلامات التعب باينة على وشه، لكن عينيه لسه فيها نظرة حزن وندم.
كان كريم.
كريم لمحها، اتسمر في مكانه، قلبه دق بقوة، مش عارف يعمل إيه، يهرب ولا يقف؟ خجلان منها أشد الخجل، حاسس إنه مش يستاهل حتى ينظر في عينيها تاني.
مريم وقفت قدامه، ابتسمت ابتسامة هادية ما فيهاش أي حقد ولا كراهية، وقالت بصوت دافي
إزيك يا كريم.. عامل إيه؟ شوفتك شغال كويس هنا، ربنا يوفقك.
صوتها كان طبيعي جداً، وكأن حاجة ما حصلت، وكأنها مش عارفة هو مين، ولا فاكراها اللي عمله.
كريم بلع ريقه بصعوبة، وقال بصوت مخڼوق
الحمد لله يا.. يا آنسة مريم. الحمد لله. أنا.. أنا أسف.. أسف جداً على كل حاجة عملتها، وعلى كل كلمة قلتها. والله ما كنت عارف أنا بعمل إيه، كنت تايه ومغرور.
مريم هزت راسها وقالت بهدوء
أعرف يا كريم، أعرف كويس إن الغرور بيعمي البصر، وبيخلي الواحد يشوف الدنيا بعين مش عينيه. بس الحمد لله إنك شفت الحقيقة، وإنك اتعلمت الدرس وإن كان متأخر شوية، لكن أحسن من ما تكونش اتعلمت خالص.
قربت منه شوية وقالت
الشغل مش عيب، والفلوس مش كل حاجة. أهم حاجة إنك تمشي في الدنيا وانت راسك مرفوعة، وضميرك مرتاح، ومحدش في رقبتك حق. كده تكون غني فعلاً، حتى لو معاكش قرش واحد.
مسحت كلامها حاجات كتير من جوا كريم، حست بالراحة اللي كان محتاجها من زمان، والدموع نزلت من عينيه ڠصب عنه، وقال
كنت فاكر إنك هتكرهيني، أو هتعملي مشكلة، لكن أنا غلطان في حقك كتير.
قالت مريم الكراهية بتتعب صاحبها يا كريم، وأنا اخترت أسامح عشان أنا عايزة أرتاح. ربنا يسامح ويعفو، واحنا البشر المفروض نكون أرحم من كده.
الفصل السادس الحقيقة الكاملة والدرس الأعظم
بعد ما كلمت كريم، مريم رجعت لمكتبها، وفكرت في الحكاية كلها من أولها لآخرها.
هي كانت عارفة ومتأكدة إن اللي حصل ده مش صدفة، ده كان بتدبير من ربنا عشان يظهر الحق، ويهدم الباطل، ويعلم الناس درساً لن ينسوه.
هي لم تكن مجرد بنت غنية جات تتنكر عشان تكتشف فساد، لأ.. هي كانت رسالة بحد ذاتها. رسالة إن البشر مش بيتقاسوا بلون البشرة، ولا بالملابس، ولا بالوظيفة، ولا حتى بالفلوس.
المقياس الحقيقي هو التقوى، والأخلاق، والمعاملة الحسنة.
تذكرت قول الله سبحانه وتعالى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، وتأكدت إن الكلام ده ميزان مفيش غيره.
الشاب الغني اللي كان بيذل الناس، انهدم ملكه، وذل هو بنفسه، وعرف طعم اللي ذاقوه غيره.
والبنت اللي الكل شافها صغيرة ومهانة، ربنا رفع قدرها، وجعلها سيدة الموقف، وجعل العزة والكرامة ليها ولأهلها.
وكتبت مريم في مذكراتها كلمات بقت نبراس للي يعرفوها
لا تقلل من شأن أحد أمامك.. فربما يكون أقوى منك بسكوتة، وأغنى منك بأخلاقه، وأرفع منك بمكانته عند الله. عامل الناس كما تحب أن يعاملوك.. فالدنيا قصيرة، والحساب عسير، والعدل ميزان لا يخيب.
وبعد سنة تانية، كريم قدر يبني نفسه من جديد، اتعلم الصبر، اتعلم الاحترام، اتعلم قيمة الدرهم والدرهم، وبقى إنسان محترم ومحبوب ممن حواليه، ونسوا اللي كان، وشافوا اللي بقا.
ومريم، كملت طريقها في النجاح والعطاء، وكانت دائماً تقول
أنا ما انتصرتش عشان فلوسي.. أنا انتصرت عشان حافظت على كرامتي، وعشان ربنا كان معايا. واللي ربنا معاه، محدش يقدر عليه.
وهكذا.. انطوت صفحة من أروع الصفحات التي تثبت أن الحق دائماً
يعلو ولا يعلى عليه، وأن الظلم لو طال، نهايته حتماً هلاك وصاعقة، والعدل لو تأخر، جاء في وقته المناسب ليملأ الدنيا إنصافاً وهداية.
الهواري 
تمت بحمد الله.

تم نسخ الرابط