حكاية بلال
شهور قليلة...
هيكون شايل معاه السر الأخير.
السر اللي هيكشف في النهاية فين راح بلال طول السنين دي كلها...
وليه ما قدرش يرجع لنا رغم إنه كان قريب مننا أكتر مما نتخيل.
عدت شهور طويلة بعد اكتشاف السجل القديم، وكل يوم كان بيعدي عليا كأنه سنة كاملة. كنت بصحى الصبح على أمل، وأنام بالليل على ألف سؤال. في بعض الأيام كنت بحس إن بلال قريب جدًا، وإن مجرد صدفة صغيرة هتفصل بينا وبين اللقاء. وفي أيام تانية كنت بخاف يكون الأمل ده مجرد سراب جديد هيكسر قلبي للمرة الألف.
وفي ليلة شتوية باردة، وأنا قاعدة في الصالة لوحدي، سمعت خبط خفيف على باب البيت.
كانت الساعة قربت على الحداشر بالليل.
استغربت جدًا.
مين هييجي في الوقت ده؟
قمت وفتحت الباب بحذر.
ولما الباب اتفتح، لقيت قدامي راجل كبير في السن، شعره كله أبيض، وملامحه مرهقة كأنه شايل جبل فوق كتافه.
بصلي وقال بصوت ضعيف
إنتي منى؟
هززت راسي.
مد إيده بورقة قديمة متنية وقال
أنا بدور عليكي بقالي سنين.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
أخدت الورقة.
كانت صورة قديمة جدًا.
ولما بصيت فيها، حسيت إن الأرض بتتمرجح تحت رجلي.
الصورة كانت لبلال.
لكن مش لوحده.
كان واقف جنب الراجل ده.
وقتها دخل مصطفى على الصوت، ولما شاف الصورة اتجمد مكانه.
قعد الراجل معانا، وشرب شوية مية، وبعدها بدأ يحكي.
قال إنه من حوالي 15 سنة كان راجع بعربيته من سفر بعيد، ولقي طفل صغير مړعوپ وماشي لوحده على طريق صحراوي.
الطفل كان تعبان جدًا ومصاپ ومش فاكر غير اسمه الأول.
قال إنه أخده عنده، وحاول يبلغ عنه وقتها، لكن الطفل مكانش فاكر عنوان ولا اسم مدينة ولا أي تفاصيل تساعد.
ومع الوقت بدأ يفقد ذكرياته أكتر بسبب الصدمة.
الرجل ده كان أرمل ومعندوش أولاد.
وربنا رزقه ببلال في الوقت ده.
فرباه وكبره كأنه ابنه.
أنا ومصطفى كنا ساكتين، والدموع نازلة من غير ما نحس.
لكن سألته السؤال اللي كان محرق قلبي
هو فين دلوقتي؟
الرجل سكت شوية.
وبعدين ابتسم.
وقال
برا.
مقدرتش أستوعب.
قمت من مكاني بسرعة.
جريت ناحية الباب.
فتحته.
وفي آخر الممر، تحت نور العمارة الأصفر الخاڤت...
كان واقف شاب طويل.
واقف ومتوتر.
وعينيه مليانة دموع.
أول ما بصيت في وشه، عرفت.
مفيش أم ممكن تغلط.
حتى لو عدت ألف سنة.
حتى لو الزمن غير الملامح.
حتى لو الشيب غطى الرؤوس.
عرفته.
عرفت ابني.
بلال.
وقفنا نبص لبعض ثواني طويلة.
ثواني كانت أطول من الخمستاشر سنة كلهم.
وبعدين سمعته يقول بصوت مبحوح
ماما؟
الكلمة دي كسرت كل الحواجز.
جريت عليه.
وهو جري عليا.
وأول حضڼ بينا بعد كل السنين دي كان كفيل يطلع كل الۏجع اللي اتخزن في قلبنا.
فضلت أبكي وهو بيبكي.
ومصطفى واقف جنبنا مڼهار.
أول مرة أشوفه بيعيط بالشكل ده.
كان بيحضن ابنه ويكرر
سامحني... سامحني يا ابني.
وبلال كان بيقول
إنتوا معملتوش حاجة.
قعدنا طول الليل نحكي.
وحكى لنا كل حاجة.
إزاي هرب من الخاطف.
إزاي تاه.
إزاي عاش سنين وهو حاسس إن فيه حد مستنيه.
وإزاي كان يشوفني أحيانًا في أحلام متفرقة من غير ما يعرف أنا مين.
وإزاي كان طول عمره حاسس إن فيه بيت ناقصه.
وأسرة ناقصاه.
وحضن ناقصه.
ومع الأيام بدأت حياتنا ترجع من جديد.
ببطء.
لكن بثبات.
رجع بلال يعيش قريب مننا.
واتجوز بعد فترة.
ولما ربنا رزقه بأول طفل، طلب مني أنا اللي أسميه.
ساعتها شلته بين إيديا.
وبصيت لبلال.
وبصيت للحفيد الصغير.
وحسيت إن الدائرة أخيرًا اتقفلت.
إن ربنا ردلي اللي ضاع.
يمكن بعد سنين طويلة جدًا.
لكن ردهولي.
وفي يوم من الأيام، وأنا قاعدة في البلكونة وقت الغروب، سألت بلال
إيه أكتر حاجة فاكرها من طفولتك؟
ابتسم.
وبص للسما.
وقال
صوتك.
استغربت.
قال
كنت بنسى وشوش كتير وأماكن كتير... لكن عمري ما نسيت صوتك وإنتي بتقولي بحبك يا بلال.
ساعتها عرفت إن الحب الحقيقي عمره ما بيضيع.
ممكن الناس تضيع.
ممكن الطرق تتوه.
ممكن السنين تسرق العمر.
لكن الحب الصادق بيفضل موجود.
مستخبي
جوه القلب.
مستني لحظة الرجوع.
وبعد خمسة عشر سنة من الدموع والانتظار والدعاء، انتهت الحكاية أخيرًا.
مش نهاية حزينة زي ما الكل كان متوقع.
ولا نهاية مليانة اڼتقام.
لكن نهاية أقوى من أي شيء.
نهاية أثبتت إن الأمل أحيانًا بيتأخر...
لكنه لا ېموت.
وإن قلب الأم أحيانًا يعرف الحقيقة قبل العالم كله.
وإن الدعوة اللي بتطلع من قلب مكسور ممكن تفضل تسافر في السما سنين طويلة...
لحد ما ربنا يأذن لها بالاستجابة.
وفي آخر ليلة من عمر الحكاية، دخلت أوضة بلال القديمة اللي فضلت محتفظة بيها 15 سنة كاملة.
فتحت الشباك.
دخل الهوا الهادي.
وبصيت للصورة القديمة المعلقة على الحيطة.
الصورة اللي كنت ببكي قدامها كل ليلة.
ابتسمت.
ولأول مرة من خمسة عشر سنة...
طفيت النور.
وقفلت الباب.
مش عشان أنساه...
لكن عشان أخيرًا...
رجع البيت.