قصة ل نور محمد

موقع أيام نيوز

حاولوا يكسروك.
بعد شهور، الطفل بقى كويس وبيتابع علاجه بانتظام.
وأحمد وأسرته اختفوا من حياتي تماماً.
لكن قبل ما يختفوا، وصلتني رسالة واحدة من الحاجة صفاء.
كانت قصيرة جداً.
مكتوب فيها
كنت فاكرة إن قيمة الست في الطفل اللي بتخلفه... لكن اتعلمت متأخر إن قيمتها في أخلاقها وقلبها وصبرها. سامحيني إن قدرتك متأخر.
قفلت الرسالة.
وحطيت الموبايل على المكتب.
وبصيت من شباك العيادة للشارع المزدحم تحت.
الناس رايحة جاية.
والدنيا ماشية.
وأنا أخيراً حسيت إن الصفحة القديمة اتقفلت للأبد.
مش لأن اللي ظلمني اتعاقب.
لكن لأني بطلت أحمل وجعه جوايا.
ومن يومها عرفت إن بعض الجراح ما بتختفيش... لكنها بتتحول لدروس.
وإن ربنا ممكن يتأخر في إظهار الحقيقة سنين طويلة، لكنه أبداً ما بينساها.
أما الحاجة صفاء، ففضلت بقية عمرها تحمل ثقل الندم.
وأما أنا، فكنت كل يوم بدخل عيادتي، أساعد مريض جديد، وأفتكر إن الليلة اللي اترميت فيها في الشارع كانت في الحقيقة أول خطوة في الطريق اللي وصلني للمكان اللي أنا فيه.
ولو رجع بيا الزمن لنفس اللحظة...
يمكن كنت هبكي برضه.
يمكن كنت هتوجع برضه.
لكن عمري ما كنت هغير حاجة.
لأن النهاية أثبتت إن اللي بيتكسر وهو بريء... ربنا بيعوضه بطريقة ماكانش يتخيلها أبداً.
عدت ست شهور كاملة بعد اللي حصل في العيادة، والحياة رجعت هادية من جديد. كنت فاكرة إن القصة انتهت عند كده، وإن كل واحد رجع لطريقه، لكن في صباح يوم شتوي بارد، وأنا قاعدة في مكتبي بمراجع ملفات المرضى، السكرتيرة خبطت الباب وقالت
يا دكتورة... في ست كبيرة مصرة تقابلك.
رفعت عيني من الورق وسألت
مين؟
ترددت شوية وقالت
الحاجة صفاء.
سكت لحظة.
الغريب إني ماحسيتش پغضب ولا ضيق زي زمان.
قلت
خليها تدخل.
دخلت ببطء شديد، وكأن السنين زادت فوق عمرها عشر سنين مرة واحدة. ملامحها كانت مرهقة، وظهرها بقى منحني أكتر من الأول.
قعدت قدامي من غير ما تتكلم.
مرت دقيقة كاملة في صمت.
بعدها طلعت ظرف كبير من شنطتها وحطته على المكتب.
قلت باستغراب
إيه ده؟
ردت وهي مطأطية رأسها
حقك.
فتحت الظرف.
لقيت فيه أوراق ملكية لشقة كبيرة ومبلغ مالي محترم.
قفلت الظرف فوراً ورجعته ناحيتها.
أنا مش عايزة حاجة.
لكنها زقته ناحيتي تاني.
وقالت
اسمعيني للآخر.
أول مرة كنت أشوفها بالشكل ده.
من غير أوامر.
من غير تكبر.
من غير غرور.
كملت كلامها
أنا ظلمتك ظلم عمره ما هيتغفر بسهولة. وأكتر حاجة وجعتني إني اكتشفت إنك كنتي أشرف وأجدع واحدة دخلت بيتنا.
فضلت ساكتة.
قالت
كل يوم بصحى من النوم وأفتكر اللي عملته فيكي. كل يوم.
بدأ صوتها يختنق.
فاكرة يوم ما رميت هدومك على السلم؟
هزيت رأسي.
أنا فاكراه كل ليلة.
نزلت دموعها.
وفاكرة لما قلت إنك أرض بور؟
ماقدرتش أرد.
قالت
الكلمة دي بترن في ودني كل يوم من ساعة ما عرفت الحقيقة.
سكتت شوية.
وبعدين قالت حاجة ماكنتش متوقعاها أبداً.
أنا عندي مرض في القلب.
رفعت رأسي بسرعة.
كملت
والدكاترة قالوا إني محتاجة عملية كبيرة.
في اللحظة دي فهمت سبب شكلها المتعب.
لكنها فاجأتني أكتر لما قالت
أنا مش جاية أطلب علاج.
استغربت.
قالت
أنا جاية أطلب السماح.
الأوضة كلها سكتت.
وأنا حسيت إن الست اللي قدامي مش هي نفس الست اللي كانت سبب في أسوأ أيام حياتي.
الندم كان مغيرها.
والسنين كانت مأكلة من روحها.
قلت بهدوء
أنا مسامحاكي.
رفعت رأسها بسرعة.
كأنها مش مصدقة.
كررت
أنا مسامحاكي.
وفجأة اڼفجرت في البكاء.
بكاء طفل صغير.
مش بكاء ست قوية.
فضلت تبكي دقائق طويلة.
ولأول مرة من سنين، حسيت إن الحمل اللي كانت شايلته فوق ضهرها بدأ يخف.
قامت تمشي.
وقبل ما تخرج من الباب وقفت.
لفت ناحيتي.
وقالت
عارفة يا مريم؟
إيه؟
قالت
أنا طول عمري كنت فاكرة إن القوة في إن الناس تخاف منك.
سكتت.
لكن طلع القوة الحقيقية إنك تقدري تسامحي اللي ظلمك.
خرجت.
واختفت من باب العيادة.
وأنا فضلت أبص للمكان اللي كانت واقفة فيه.
بعد شهرين تقريباً، جالي اتصال من أحمد.
أول مرة يكلمني من سنين.
صوته كان
تم نسخ الرابط