قصة ل نور محمد
المحتويات
سر قديم جداً، مدفون من أكتر من عشر سنين، راجع يفتح أبوابه من جديد.
وساعتها فقط أدركت إن كل اللي حصل لحد دلوقتي... ماكانش نهاية الحكاية.
كان مجرد بداية فصل أخطر وأعمق من أي حاجة تخيلتها.
فضلت واقفة مكاني، والوردة البيضا في إيدي، وأنا ببص للست اللي واقفة جنب العربية. في الأول ماقدرتش أصدق نفسي. السنين غيرت ملامحها، لكن مافيش شك.
كانت داليا.
أقرب صاحبة ليا أيام الجامعة.
الصديقة اللي اختفت فجأة من حياتي من أكتر من عشر سنين من غير تفسير.
البنت الصغيرة كانت واقفة بينا وهي مش فاهمة سبب الصدمة اللي على وشوشنا.
داليا بدأت تقرب ببطء.
ولما وقفت قدامي، قالت بابتسامة باهتة
وحشتيني يا مريم.
مرت ثواني طويلة قبل ما أقدر أتكلم.
سألتها
إنتِ فين من كل السنين دي؟
تنهدت وقالت
حكاية طويلة.
كان واضح من عيونها إنها شايلة هموم عمر كامل.
دعوتها تدخل المكتب بعد انتهاء الافتتاح.
قعدنا قدام بعض لأول مرة بعد أكتر من عقد كامل.
وبدأت تحكي.
بعد التخرج سافرت مع أهلها برة مصر، واتجوزت بسرعة، لكن جوازها فشل بعد سنوات قليلة. رجعت وهي معاها بنتها الصغيرة، وبدأت حياة جديدة من الصفر.
سألتها
طب ليه اختفيتي فجأة؟
هنا نزلت عينيها للأرض.
وقالت
لأني كنت جبانة.
استغربت.
كملت
قبل سفري بفترة، سمعت حاجة كان لازم أقولها ليكي.
بدأ قلبي يدق أسرع.
قالت
افتكري أيام جوازك الأولى؟
هزيت رأسي.
قالت
أنا سمعت بالصدفة واحدة من قرايب أحمد وهي بتتكلم مع أم أحمد عن تقرير التحاليل اللي كان بيثبت إن المشكلة مش عندك.
اتسعت عيني.
رغم إن الحقيقة ظهرت بعد سنين، إلا إن سماع التفاصيل من شخص تاني كان مؤلماً.
كملت داليا
وقتها كنت ناوية أقولك. والله كنت ناوية. لكن بعدها بأيام سافرت، وكل مرة كنت أقول هكلمك كنت أتراجع.
سكتت لحظة.
ولما عرفت إن الطلاق وقع خلاص... حسيت بالذنب وخفت أواجهك.
لأول مرة فهمت إن بعض الناس بيعيشوا سنوات طويلة وهم شايلين ذنب كلمة ماقالوهاش.
لكن الغريب إني ماحسيتش پغضب.
يمكن لأني تعبت من حمل الڠضب.
قلت لها
خلاص يا داليا. اللي فات انتهى.
بدأت تبكي.
وقالت
كنت خاېفة تكرهيني.
ابتسمت.
الحياة أقصر من إني أفضل أكره الناس.
في الأسابيع اللي بعدها، رجعت صداقتنا تدريجياً.
وبقت داليا وبنتها من أقرب الناس ليا.
أما المركز الطبي، فكان بيكبر يوم بعد يوم.
أطفال كتير بيتعالجوا.
وأسر كتير بتدعي.
وكل مرة كنت أمشي في الممرات وأشوف طفل بيرجع يضحك بعد مرض، كنت أحس إن كل ۏجع مر بيّا ما راحش هدر.
وبعد حوالي سنة كاملة، حصل شيء ماكنتش متوقعاه أبداً.
مجلس إدارة طبي كبير رشحني لجائزة مهمة في مجال طب الأطفال بسبب شغلي في المركز.
وفي يوم التكريم، وقفت على المسرح قدام مئات الناس.
الأضواء كانت قوية.
والتصفيق مالي القاعة.
ولما مسكت الميكروفون، افتكرت كل حاجة.
افتكرت الليلة اللي اترميت فيها برا البيت.
وافتكرت دموعي وأنا لوحدي.
وافتكرت الأيام اللي كنت بعدّ فيها الجنيه على الجنيه عشان أكمل دراستي.
وافتكرت الحاجة صفاء.
وأحمد.
وكل شخص كان جزء من الرحلة.
وقلت للحضور
أحياناً الإنسان بيعتقد إن نهاية الطريق وصلت. وإن الظلم انتصر. وإن الأبواب كلها اتقفلت. لكن الحقيقة إن بعض النهايات بتكون مجرد بدايات متخفية.
سكتت لحظة.
ثم أكملت
لو حد ظلَمك، ما تخليش الظلم يسرق عمرك مرتين. مرة وقت ما يحصل، ومرة وأنت عايش فيه طول حياتك.
القاعة كلها صفقت.
لكن بالنسبة لي، أهم شيء ماكانش الجائزة.
ولا الشهرة.
ولا النجاح.
أهم شيء كان السلام اللي أخيراً حسيت بيه جوا قلبي.
بعد الحفل بأيام، رجعت للمركز في الصباح بدري.
كان الأطفال بيلعبوا في الحديقة الصغيرة قدام المبنى.
وقفت أتفرج عليهم.
الشمس كانت طالعة بهدوء.
والهوا لطيف.
وفجأة افتكرت جملة قديمة كنت بقولها وأنا ببكي زمان
ليه يا رب؟
ابتسمت وأنا ببص للسماء.
لأني أخيراً عرفت الإجابة.
مش كل حاجة بنفهمها وقت الألم.
وفي أوقات كتير، الحكمة بتظهر بعد
متابعة القراءة