قصة ل نور محمد
المحتويات
مكسور.
عرفت الخبر قبل ما يقوله.
الحاجة صفاء توفت بعد العملية بأيام قليلة.
قفلت التليفون بعدها بوقت قصير.
وقعدت لوحدي.
افتكرت كل حاجة.
الحلو.
والۏحش.
والقاسې.
افتكرت إن الإنسان ممكن يغلط.
وممكن يظلم.
لكن أحياناً بيعيش عقابه الحقيقي جوه قلبه قبل أي حاجة تانية.
في اليوم اللي بعده، رحت المقاپر.
وقفت بعيد.
وقريت الفاتحة.
مش علشان أنسى اللي حصل.
لكن علشان أقفل آخر باب كان مفتوح من الماضي.
وأنا ماشية راجعة، حسيت لأول مرة من سنين إن قلبي خفيف.
خفيف فعلاً.
كأن فصل كامل من عمري انتهى أخيراً.
وماكنتش أعرف وقتها إن القدر لسه مخبيلي مفاجأة أكبر بكتير...
مفاجأة هتخلي كل اللي فات مجرد بداية لحكاية جديدة تماماً.
مرّت حوالي تلات شهور بعد ۏفاة الحاجة صفاء، والحياة رجعت تمشي بهدوء غريب. كنت مركزة في شغلي أكتر من أي وقت فات، وعيادتي بقت معروفة، وعدد المرضى بيزيد يوم بعد يوم. كنت حاسة إن ربنا أخيراً عوضني عن كل لحظة ۏجع عشتها.
في يوم عادي جداً، وأنا خارجة من المستشفى بعد مناوبة طويلة، رن موبايلي.
رقم غريب.
رديت.
جالي صوت راجل كبير
حضرتك الدكتورة مريم؟
قلت
أيوة.
قال
أنا المحامي الخاص بالحاجة صفاء الله يرحمها.
استغربت.
وسألته
خير؟
قال
في وصية لازم حضرتك تعرفيها.
سكت شوية وبعدين قال
مطلوب حضورك بكرة المكتب.
قفلت المكالمة وأنا مش فاهمة حاجة.
قضيت الليلة كلها بفكر.
إيه اللي ممكن تكون سايباه؟
وليه أصلاً تكتب اسمي في وصيتها؟
تاني يوم رحت.
دخلت مكتب المحامي.
لقيت أحمد موجود.
وأول ما شافني قام وقف باحترام.
ملامحه كانت مختلفة.
السنين غيرته هو كمان.
مبقاش الشاب الضعيف اللي كان بېخاف من كلمة أمه.
بقى شكله مرهق ومكسور من تجارب كتير.
قعدنا.
والمحامي بدأ يقرأ الوصية.
كانت معظم الممتلكات متقسمة على الورثة بشكل طبيعي.
لحد ما وصل لجزء خلاني أرفع رأسي فجأة.
الحاجة صفاء كانت كاتبة إنها باعت قطعة أرض كبيرة قبل ۏفاتها.
وثمن الأرض بالكامل اتحط في حساب خاص لإنشاء مركز طبي مجاني لعلاج الأطفال غير القادرين.
والمفاجأة الأكبر...
إنها طلبت إن المركز يكون تحت إشرافي أنا شخصياً.
الأوضة سكتت.
حتى المحامي نفسه كان متأثر.
كمل القراءة
أنا ظلمت مريم في حياتي، ومش هعرف أصلح اللي عملته. لكن يمكن ربنا يجعل في المال ده خير على إيديها، وينفع أطفال ملهمش ذنب.
لقيت دموعي بتنزل من غير ما أحس.
لأول مرة حسيت إن ندمها كان حقيقي.
مش مجرد كلام.
كانت بتحاول تصلح حاجة قبل ما تمشي.
بعد انتهاء الجلسة، خرجت من المكتب.
وأحمد خرج ورايا.
وقف على الرصيف وقال
مريم.
بصيتله.
قال
عارف إن مفيش كلام يرجع اللي فات.
ما رديتش.
كمل
لكن عايزك تعرفي إنك كنتي أحسن إنسانة دخلت حياتي.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
وقلت
الكلام ده كان لازم يتقال من سنين.
نزل رأسه.
وقال
عارف.
وبعدين مشي.
من غير ما يطلب فرصة جديدة.
ومن غير ما يحاول يبرر.
كأن الاتنين فهمنا إن بعض الأبواب لما تتقفل، لازم تفضل مقفولة.
بدأت بعدها مشروع المركز الطبي.
استغرق شهور طويلة من الشغل والتعب والإجراءات.
لكن كل مرة كنت أتعب فيها، كنت أفتكر الأطفال اللي هيتعالجوا فيه.
وفي يوم الافتتاح، كان المكان مليان ناس.
أطباء.
صحفيين.
أسر بسيطة.
وأطفال جايين ياخدوا العلاج لأول مرة.
وأنا واقفة ألقي كلمة الافتتاح، بصيت للوحة الكبيرة المعلقة على المدخل.
كان مكتوب عليها
مركز الرحمة لعلاج الأطفال.
وتحت الاسم مباشرة
صدقة جارية على روح الحاجة صفاء.
ساعتها حسيت إن الدنيا فعلاً غريبة.
الست اللي كانت سبب في أكبر چرح في حياتي...
بقت سبب في أكبر مشروع إنساني عملته.
لكن القدر كان لسه مخبي حاجة تانية.
بعد انتهاء الحفل، وأنا بسلم على الحضور، لقيت بنت صغيرة عندها حوالي سبع سنين واقفة لوحدها.
كانت ماسكة وردة بيضا.
قربت مني ومدتها ليا.
وقالت
ماما قالتلي أديها للدكتورة مريم.
ابتسمت وأخدت الوردة.
وسألتها
فين مامتك؟
البنت أشارت ناحية عربية واقفة بعيد.
بصيت...
واتجمدت مكاني.
لأن الست اللي كانت واقفة جنب العربية كانت واحدة من الماضي البعيد جداً...
واحدة كنت فاكرة إني عمري ما هشوفها تاني.
واللحظة اللي عيوننا اتقابلت فيها...
عرفت إن
متابعة القراءة