كرامة مستردة

موقع أيام نيوز

الحلقة الأولى الميدالية البلاستيك
كانت الساعة تقترب من السادسة مساءً عندما انتهت سمر من تغيير حفاض حماتها للمرة الثالثة في ذلك اليوم.
وقفت أمام الحوض تغسل يديها بصمت، بينما ظهرها يؤلمها من كثرة الانحناء والعمل.
ثلاث سنوات كاملة.
ثلاث سنوات وهي تستيقظ قبل الجميع وتنام بعد الجميع.
ثلاث سنوات لم تسمع خلالها كلمة شكر واحدة.
لكنها كانت تتحمل.
كانت تقول لنفسها دائماً
لما رفعت يرجع من الغربة هيعرف أنا عملت إيه عشانه وعشان أهله.
في ذلك اليوم تحديداً، عاد رفعت.
وصلت سيارة أجرة أمام المنزل.
قفز ابنها الصغير، آدم، من مكانه وهو ېصرخ بسعادة
بابا جه! بابا جه!
جرت حماتها نحو الباب بلهفة رغم مرضها.
أما سمر فمسحت يديها في مريلة المطبخ ورتبت حجابها بسرعة.
رغم كل التعب الذي عاشته، كان قلبها يدق من الفرحة.
اشتاقت لزوجها.
اشتاقت لأن تشعر أنها زوجة وليست خادمة.
دخل رفعت المنزل وهو يجر ثلاث حقائب ضخمة.
امتلأ البيت بالصړاخ والضحك.
حمد لله على السلامة!
نورت البيت!
وحشتنا يا رفعت!
ابتسم رفعت بفخر.
ثم بدأ يخرج الهدايا.
علبة دواء فاخرة لأبيه.
مكملات غذائية مستوردة لأمه.
هاتف جديد لأخته نهى.
ساعة أنيقة لزوج أختها.
حتى ابن أخته حصل على لعبة إلكترونية غالية.
الجميع حصل على شيء.
الجميع.
إلا سمر.
وقفت في الركن تراقب المشهد.
تحاول إقناع نفسها أن هديتها ستكون الأخيرة.
ربما لأنها الأهم.
ربما لأنه خبأ لها مفاجأة خاصة.
لكنها بدأت تشعر بقبضة باردة حول قلبها.
وفجأة أخرج رفعت علبة سوداء أنيقة.
لمع بريقها تحت الضوء.
مدت سمر يدها دون وعي.
لكن رفعت سحب العلبة بسرعة.
وقال بحدة
إوعي تلمسيها.
تجمدت في مكانها.
نظر إليها بازدراء وقال
إيدك كلها ريحة مطبخ ومنظفات.
ساد الصمت.
الټفت الجميع إليه باستغراب.
ابتسم ابتسامة ساخرة وأضاف
دي مش ليكي أصلاً.
ابتلعت سمر ريقها بصعوبة.
أمال لمين؟
رد وهو يعدل ياقة قميصه
لخطيبتي... ساندي.
شعرت وكأن الأرض اختفت من تحت قدميها.
خطيبتي؟
هل سمعت جيداً؟
خطيبته؟
رفعت زوجها.
والد ابنها.
الرجل الذي انتظرته ثلاث سنوات.
ينطق الكلمة بكل برود أمام الجميع.
لم يتكلم أحد.
لم يعترض أحد.
حتى حماتها ظلت صامتة.
همست سمر
خطيبتك؟
ابتسم رفعت.
أيوة.
وأنا؟
رفع كتفيه بلا مبالاة.
إنتي حاجة وساندي حاجة تانية.
شهقت سمر.
أما نهى فأخفضت رأسها حتى لا تضحك.
كان المشهد كله أشبه بكابوس.
قالت بصوت مرتجف
يعني إيه؟
رد ببرود
يعني ساندي هتبقى مراتي قريب.
ساد الصمت.
ثم أكمل
ومتعمليش فيها مصډومة. أنا كنت عايش حياتي هناك.
شعرت سمر أن قلبها ېتمزق.
لكنها حاولت التماسك.
سألته
وأين هديتي؟
نظر إليها لثوانٍ.
ثم بدأ يفتش داخل الحقيبة.
وأخيراً أخرج ميدالية مفاتيح بلاستيكية صغيرة.
رماها في اتجاهها.
خدي.
سقطت على الأرض.
انحنت سمر والتقطتها.
كانت رخيصة للغاية.
وعندما قلبتها وجدت ملصقاً صغيراً مكتوباً عليه
هدية مجانية مع المشتريات.
توقفت أنفاسها.
هدية مجانية.
بعد ثلاث سنوات من الخدمة.
بعد آلاف الساعات من التعب.
بعد أن باعت ذهبها لتطعم أهله.
بعد أن تحملت مسؤولية البيت وحدها.
كانت مكافأتها ميدالية مجانية.
ضحكت حماتها.
والله ابني كريم.
وأضافت نهى
ما تكبريش الموضوع.
رفعت الميدالية أمام وجهه.
وقالت
بجد؟
رد ببرود
فيها إيه؟
مجانية.
وماله؟
بعد كل اللي عملته؟
تغير وجهه.
إنتي طماعة.
اتسعت عيناها.
أنا طماعة؟
أيوة.
وأنا اللي صرفت على البيت كله؟
محدش طلب منك.
وأنا اللي خدمت أمك وأبوك؟
ده واجبك.
وأنا اللي ربيت ابنك لوحدي؟
برضو واجبك.
كانت الكلمات تسقط فوق رأسها كالمطارق.
كل تضحية قدمتها تحولت فجأة إلى واجب.
كل ألم تحملته أصبح شيئاً عادياً.
صړخت لأول مرة منذ سنوات
لا... مش واجبي!
ساد الصمت.
حتى آدم الصغير توقف عن اللعب.
قالت وهي تبكي
كنت بصحى الفجر عشان أمك.
كنت بسهر الليل لما تتعب.
كنت باخد أبوك للدكاترة.
كنت بشتغل من غير راحة.
كنت بصرف من فلوسي.
كنت بربي ابننا لوحدي.
ثم نظرت في عينيه.
وإنت كنت فين؟
اشټعل وجه رفعت غضباً.
إوعي ترفعي صوتك عليا.
ليه؟
عشان أنا الراجل.
ضحكت سمر لأول مرة.
لكنها كانت ضحكة

تم نسخ الرابط