تورتة الزفاف

موقع أيام نيوز

في مرآة السيارة.. فتاة بفستان زفاف ملطخ بالډماء والتراب، عيناها زائغتان، وقلبها يعتصره الألم والخۏف.
علينا أن نصل للمكان الآمن قالت سارة بحزم. هناك فقط سنستطيع التفكير، وهناك فقط سنعرف الحقيقة كاملة.. حقيقة من يكون ديفيد حقاً، ولماذا يريدكِ بهذا الشكل المرعب.
تسارعت السيارة أكثر فأكثر، مبتعدة عن أضواء المدينة ونورها، غاصة بنا في طريق طويل ومظلم نحو المجهول.
وللمرة الأولى في حياتي.. تمنيتُ لو أن الكعكة سحقتني معها بدلاً من أن أتحمل كل هذا.
كان الطريق أمامنا طويلاً ومظلماً، لا يقطعه سوى شعاع مصابيح السيارة الخاڤت الذي يخترق الضباب الكثيف. تركنا شوارع القاهرة المزدحمة خلفنا، وبدأنا نصعد طريقاً جبلياً ملتوياً لا أعرفه، وكأننا نغادر العالم الحقيقي ونذهب إلى عالم آخر مليء بالأسرار.
جلستُ صامتة، ويدي ما زالتا ترتجفان. كلمات ديفيد الأخيرة تدق في رأسي مثل مطرقة أريد ما أخذه أبوكِ مني.. أريد المفتاح!
أبي.. الرجل الطيب الحنون الذي رحل عنا منذ ثلاث سنوات، وترك لنا فقط هذا المنزل وبعض الذكريات. كيف يكون له علاقة برجل مثل ديفيد؟ وأي مفتاح هذا الذي ېقتل ويخطف من أجله؟
سارة ناديتها بصوت خاڤت. إلى أين تأخذيني؟
نظرت إليّ نظرة سريعة، وعلى وجهها علامات إرهاق وخوف إلى بيت الجد.. البيت القديم في الجبل، اللي كنا نروحه في الصيف واحنا صغيرات. المكان الوحيد اللي ما ليش أي صلة بنا حالياً، ومحدش هيفكر يدور علينا هناك.
تذكرت البيت القديم.. بناية حجرية ضخمة، شبه مهجورة، كانت مليئة بالكتب والصناديق القديمة وأشياء أبي التي لم نستطع التخلص منها.
ليه هناك بالذات؟ سألتُ والشك يساورني.
لأن توقفت قليلاً كأنها تختار كلماتها، أبي الله يرحمه كان بيقول لي دايماً لو حصل لي حاجة، أو حسيتوا إنكم في خطړ، روحوا للبيت القديم وهناك تلقوا الأمان والحقيقة.
رفعتُ حاجبيّ بدهشة أبي قالك كده؟ ومتقوليش ليه؟!
كنت فاكرة إنها مجرد كلام عادي، حكاية جدود وأنساب! قالت سارة بلهفة. لكن النهاردة، لما ديفيد قال كلمة المفتاح.. اتأكدت إن الموضوع له علاقة بأبي وبالماضي، وإن الحلقة المفقودة موجودة في البيت ده.
واصلت الطريق صعوداً حتى توقفت السيارة أخيراً أمام بوابة حديدية ضخمة صدئة، تطل على منزل قديم يبدو كأنه قلعة منسية وسط الأشجار العالية والصمت المخيف.
نزلنا من السيارة. الهواء هنا كان بارداً ونقياً، لكنه يحمل رائحة غريبة.. رائحة تاريخ ورائحة غبار الزمن.
فتحت سارة البوابة بمفتاح قديم كانت تحتفظ به، ودخلنا فناء المنزل الواسع. كل شيء كان كما تركناه آخر مرة، مغطى بطبقة سميكة من الغبار.
أشعلت سارة بعض الشموع والمصابيح القديمة، فامتدت الظلال الطويلة على الجدران ورسمت أشكالاً مخيفة.
جلستُ على كنبة قديمة، وشعرتُ بالإرهاق يسحق جسدي. خلعت حذائي الزفافي الثقيل، ونظرتُ إلى المرآة المعلقة على الحائط.. لم أعد أعرف نفسي. الفستان الأبيض الناصع الذي كان حلماً كل فتاة، أصبح الآن ممزقاً ملطخاً بالتراب والكريمة السوداء، وكأنه شاهد على چريمة لم تكتمل.
طيب.. والآن ايه؟ سألتُ وأنا أحاول تمالك أعصابي. نجلس هنا ننتظر المۏت؟ ولا عندك خطة تانية؟
قامت سارة من مكانها واتجهت نحو ركن بعيد في الغرفة، كانت هناك خزانة خشبية ضخمة مغطاة بقطعة قماش ثقيلة. شدت القماش وألقته بعيداً، فظهرت الخزانة وقد كانت مقفلة بقفل كبير.
أخرجت من حقيبتها مفتاحاً صغيراً مختلفاً، أدخلته في القفل فانفتح بصوت طقطقة مسموع.
أبي.. همست سارة، كان قال لي إن المفتاح ده مش لأي خزانة، ده مفتاح للحقيقة.
فتحت الأبواب الخشبية ببطء.. لم تكن بداخلها ملابس ولا حلي، بل كانت مليئة بالدفاتر القديمة، والأوراق المطوية، وصور فوتوغرافية بالأبيض
تم نسخ الرابط