عمود البيت

موقع أيام نيوز

كان الفجر يلملم أطرافه فوق سماء بغداد عندما أغلقتُ باب المستشفى الحكومي ورائي. الهواء البارد لفّ وجهي المرهق، لكنه لم يطرد النعاس الذي كان يعشش في جفوني بعد اثنتي عشرة ساعة متواصلة في ردهة الطوارئ. زهراء.. هذا هو اسمي، ممرضة براتب لا يكاد يغطي نصف الجهد الذي أبذله، وبقلبٍ بات يشبه الإسفنجة التي تمتص دموع الآخرين وآلامهم حتى جفت.
ركبت سيارة الأجرة متجهة إلى بيت أمي في منطقة الكرادة. طوال الطريق، لم أكن أفكر إلا في وسادتي، في ست ساعات من النوم الهادئ الخالي من أصوات أجهزة مراقبة النبض، وأنين المصابين، وصړاخ المراجعين. عندما وصلت، فتحت الباب بالمفتاح وبخطوات متثاقلة دخلت المطبخ لأشرب كوباً من الماء قبل أن أرمي بجسدي على الفراش.
لكن المطبخ لم يكن هادئاً كالعادة. أمي، أم علي، كانت تقف بكامل أناقتها الصباحية، تمسك كوباً من العصير، وملامح وجهها خالية من أي تعاطف أو حنان أمومي. وبجانب الطاولة، كانت أختي سارة تجلس وهي تحدق في شاشة هاتفها الأحدث، وتضع ساقاً فوق ساق.
قبل أن أنطق بكلمة صباح الخير، نظرت إليّ أمي ببرود وقالت جملتها التي نزلت على رأسي كالمطرقة
من اليوم يا زهراء.. تدفعين بدل سكن إيجار للغرفة التي تقيمين فيها، أو تجمعين غراضك وتطلعين من بيتي.
تجمدت يدي على حافة البراد. نظرت إليها طويلاً، وظننت في البداية أن من شدة التعب بدأت أهلوَس. هل هذه أمي؟ هل تتحدث معي أنا؟ أنا التي لم أدخل غرفتي يوماً إلا ووجدت جبالاً من الملابس بانتظار الغسيل، ومواعين متراكمة في المجلى، وطفلينعلي وحسنينامان في فراشي لأن أمهما سارة كانت مشغولة في سهراتها أو خرجاتها مع صديقاتها.
ضحكت سارة بسخرية، ودون أن ترفع رأسها عن الهاتف قالت
بصراحة يا أمي، كان لازم تأخذين منها إيجار من زمان. الموظفة المفروض تشيل نفسها، ورعاية علي وحسن ليست تضحية كبيرة كما تدّعين دائماً.. هي فقط تقعد معهم وهم يلعبون بالصالة وتطعميهم.
نظرتُ إلى سارة، ثم إلى أمي. شعرت بغصة في حلقي كادت تخنقني. تقعد معهم وهم يلعبون؟!. تذكرت الليالي التي كنت أعود فيها من الطوارئ عند السابعة صباحاً، وجسدي يرتعش من الحمى أو التعب، فأجد البيت مقلوباً رأساً على عقب، وأمي تقول لي بنبرة آمرة زهراء، خذي الأطفال لغرفتك، سارة تعبانة ونائمة، وأنا ظهري يؤلمني. كانت تلك الشوية تتحول إلى يوم كامل من التربية، والتنظيف، ومراجعة الدروس، وصناعة الطعام، بينما سارة في صالون التجميل، أو في فطور مع زميلاتها، عيش دور المرأة الأنيقة المتحررة من قيود الأمومة على حساب عمري وصحتي.
الفصل الثاني انطفاء الروح والرحيل الصامت
في تلك اللحظة بالذات، وبينما كان الطفلان في غرفة الجلوس يلطخان الأريكة بالطعام الذي قمت بتنظيفه بيدي قبل أن أذهب إلى مناوبتي الليلية، شعرت بشيء داخلي ينطفئ بهدوء. لم يكن انطفاء ڠضب، بل كان انطفاء الأمل في أن تملك هذه العائلة ذرة واحدة من التقدير أو الحب لشخصي. لقد كانوا يرونني مجرد آلة آلة لجلب المال، آلة لتنظيف القذارة، وآلة لتربية الأطفال بلا مقابل.
لم أبكِ. الدموع تجمدت في عينيّ وتحولت إلى صلابة لم أعهدها في نفسي من قبل. ابتسمت لأمي وسارة ابتسامة باردة، ودخلت غرفتي بخطوات هادئة.
منذ ثلاثة أشهر، كنت أشعر في قرارة نفسي أن هذا البيت لم يعد مكاني، وأن جشع سارة وأنانيتها وتحريضها المستمر لأمي سيقودان إلى کاړثة. لذلك، كنت قد وضعت حقيبة سوداء كبيرة تحت السرير، أخبئ فيها بالتدريج أوراقي الثبوتية،

تم نسخ الرابط