عمود البيت
المحتويات
شهادة تخرجي من معهد التمريض، صورتي الوحيدة مع أبي الراحلالرجل الوحيد الذي كان يحبني في هذا العالموبعض المال الذي ادخرته سراً من مكافآت المناوبات الإضافية التي كنت أقبلها هرباً من چحيم البيت.
بدأت أجمع ملابسي القليلة. لم آخذ شيئاً اشترته أمي أو سارة، بل أخذت فقط ما هو لي بجهدي وعرقي. وقفت أمي عند باب الغرفة، حاطة يديها في خصرها، وقالت بسخرية
إلى أين يا ست زهراء؟ ستتدللين ساعتين في الشارع ثم تعودين زاحفة.. ليس لكِ مكان آخر، ورواتب الممرضات لا تشتري بيوتاً في بغداد.
خرجت سارة من المطبخ وقالت لأولادها بضحكة شامتة
ودعوا خالتكم يا أولاد، سترجع عندما تجوع وتعرف قيمة هذا البيت.
سحبتُ حقيبتي، وخرجت إلى الصالة. وضعت مفاتيح البيت على الطاولة الخشبية، ونظرت في عيني أمي مباشرة وقلت بصوت هادئ هز أركان الصمت
لن أرجع لأكون خادمة في بيت يطلب مني إيجاراً على عمري الذي ضاع فيه. أنتم لم تخسروا ممرضة أو ابنة.. أنتم اليوم كسرتم العمود الذي كان يحمل السقف فوق رؤوسكم.
خرجتُ من الباب ولم ألتفت وراءي أبداً. ركبت أول سيارة أجرة تصادفني، وطلبت من السائق التوجه نحو منطقة قريبة من كراج النهضة، حيث أعرف وجود بعض الفنادق الصغيرة والبسيطة. دفعت حساب ثلاث ليالٍ مقدماً من المال المدخر، ودخلت غرفتي الصغيرة.
في تلك الليلة، ولأول مرة منذ خمس سنوات كاملة، أغلقت هاتفي تماماً. أخذت حماماً ساخناً طويلاً أزال عن جسدي رائحة المعقمات الطبية ورائحة شقاء البيت. استلقيت على السرير، ونمت اثنتي عشرة ساعة متواصلة، دون أن يطرق أحد الباب پعنف، ودون أن ېصرخ صړاخ طفل أو صوت أمي المستبد زهراء.. قومي!. نبتت في قلبي راحة عجيبة، رغم أنني كنت وحيدة ومطردة.
الفصل الثالث الشقة الجديدة وبداية الحرية
في الصباح التالي، بدأت رحلة البحث عن مستقري الجديد. بمساعدة زميلة لي في المستشفى تدعى فاطمة، وجدت شقة صغيرة جداً في منطقة الكرادة داخل، عبارة عن غرفة واحدة، ومطبخ صغير، وحمام. الإيجار كان يلتهم جزءاً كبيراً من راتبي، لكنني لم أهتم. كانت الشقة بالنسبة لي هي قصر الحرية.
اشتريت فراشاً بسيطاً من السوق، وطاولة بلاستيكية كرسيين، وستائر قماشية رخيصة بلون أزرق سماوي لأحجب بها أشعة الشمس الحاړقة. عندما علقت المفتاح الصغير للشقة في ميداليتي، شعرت كأنني أملك العالم. لا صحون متراكمة في المجلى تخص غيري، لا ألعاب مبعثرة أتعثر بها في الممر، لا صړاخ إهانات، ولا أم تذكرني كل دقيقة بأنني مدينة لها بوجودي في الحياة.
مرت خمسة أيام وأنا أعيش في هذه الجنة الصغيرة. كنت أذهب إلى عملي في المستشفى بكامل نشاطي، وزملائي لاحظوا أن وجهي الذي كان شاحباً ومجهداً بدأ يستعيد حيويته، وابتسامتي عادت لتزين وجهي أثناء رعاية المرضى.
في اليوم الخامس، وبعد انتهاء الدوام، جلست على طاولتي البلاستيكية وأشعلت هاتفي لأول مرة منذ رحيلي، فقط لكي أرسل عنواني الجديد وموقعي لإدارة المستشفى في حال حدوث طوارئ.
ما إن اتصل الهاتف بالإنترنت حتى اڼفجرت الشاشة أمامي بالاشعارات كأنها قنبلة موقوتة.
سبع وثمانون رسالة نصية وعلى الواتساب!
أربع وثلاثون مكالمة فائتة!
وعشرات التسجيلات الصوتية التي تتراوح مابين الصړاخ، والټهديد، والتوسل الباكي.
الفصل الرابع اڼهيار أحجار الدومينو
بدأتُ أستمع للتسجيلات الصوتية بفضول وبرود تام.
التسجيل الأول كان من أمي، وصوتها كان يرتعش پغضب وصړاخ هستيري
زهراء! أين أنتِ يا ڤاجرة؟ تعالي فوراً! الأطفال خربوا البيت تماماً، سارة لا تستطيع السيطرة عليهم، وأنا ضغطي ارتفع ولا أجد من يقيس لي الضغط أو يعطيني الدواء!
متابعة القراءة