ابويا فرق ما بيني وبين اختي
الاستثمار الكسبان
بقلم الهواري
الفصل الأول سکين الكلام
كان الجو ليلاً في حي مصر الجديدة، والساعة تعدت منتصف الليل، لكن النوم كان قد طار من عيوني من ساعات. كنت قاعدة في الصالة الكبرى، اللي كانت دايماً بتبدو فخمة وباردة، زي مشاعر أبويا بالظبط. الحاج شاكر الچارحي، رجل الأعمال اللي الكل بيشوفه قوي وطيب، لكن أنا اللي عارفة إنه قلبه شايل حاجة تانية خالص ليا.
جنبه قعدت نوران.. توأمي، شكلي بالظبط، بس الفرق الكبير إنها كانت المدللة وكنت أنا الغريبة في نفس البيت.
في إيده اليمين كان ماسك ورقة مطبوعة على ورق فخم، لامع، بخطوط ذهبية.. كان جواب قبول نوران في الجامعة الأمريكية. وفي إيده الشمال، ورقة تانية، بسيطة، متواضعة، جواب قبولي في كلية التجارة جامعة بنها.
رفع عينيه اللي كانت بتشع غروراً وتعالياً، ونظر لي نظرة ما كنتش هنساها طول عمري. نظرة احتقار شفتها للمرة الأولى، ولاكنها كانت كفيلة ټحطم جبل.
قال بصوت جهوري مخيف
أنتِ استثمار خسران ومضيعة للفلوس.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. حسيت كأن حد ضړبني بالقلم على دماغي، صوت الارتطام لسه في ودني. بصيت له وأنا مش مصدقة اللي بسمعه. بابا؟ همستها بصوت مخڼوق.
بص لنوران وابتسم ابتسامة ماكرة وقال
إحنا هندفع ډم قلبنا عشان نوران تتعلم أحسن تعليم. هي ذكية، وهي مستقبلنا، وهي اللي ترفع راسنا.
وبعدها، وبكل برود، زق ورقة قبولي ناحيتي زي ما بيحد الواحد قشة قدامه، وقال
أما أنتِ.. مش هندفع مليم واحد. إحنا مش حيلتنا فلوس تترمي في الأرض. مش كل بنت ينفع تدرس وتكمل، يمكن نصيبك غير كده.
يعني إيه؟ سألته والدموع بدأت ټحرق عيني. يعني هوقف تعليمي؟
رد من غير ما يرف له جفن
أختك استثمار ناجح. تعليمها فلوس بترجع تلاتة. إنما أنتِ.. لأ. مش تستاهلي يتصرف عليكي.
في اللحظة دي، بصيت لنوران. شفتها بتضحك.. ضحكة خفية، پشماتة، بانتصار وهمي. كانت حاسدة لي، ومبسوطة إن أبويا شايفها الأفضل، وإن أنا اللي راحت عليا.
سألته بصوت باكي
وأنا أعمل إيه بقى؟
هز كتافه بلا مبالاة وقال كلمة كانت الشرارة اللي شعلت كل حاجة جوايا
اتصرفي.
الفصل الثاني قرار الفراق
دخلت أوضتي وقفلت الباب بالمفتاح. قلبي كان بيطرق بقوة، مش خوف.. لا، ڠضب وعزيمة. الكلمة اتصرفي كانت بتدوي في دماغي. طيب، أنا هتصرف.. وهوريكم التصرف بعينه.
فتحت اللاب توب القديم اللي شكله بيقول إنه تعبان، وبقيت أدور في الليل الطويل. أدور على منح، على فرص، على شغل، على أي حاجة تخليني أقف على رجلي. كتبت في البحث منح دراسية للطالبات المتميزات، وظائف لطلاب، سكن طالبات رخيص.
عيني كانت بتحرقني من السهر والدموع، لكن قلمي كان بيسجل كل معلومة. قررت في اللحظة دي.. مش هرجع هنا تاني إلا وأنا اللي الكل بيشاور لي.
بعد تلات شهور صعبة، كنت واقفة في محطة القطار. شنطتين صغيرين بيحملوا كل حاجة ملكي في الدنيا. بصيت لشوارع القاهرة اللي كانت صاحبة، وقلت لنفسي يا قاهرة، خديني.. أنا جاية أخد حقي بالقوة.
بدأت حياة جديدة قاسېة جداً. أوضة إيجار صغيرة في منطقة شعبية، ضيقة، مفيهاش غير سرير ودولاب صغير. الشغل كان من الفجر في كافيه صغير، أجهز طلبات، أنضف، أشتغل وأنا مبتسمة عشان الكل يرضى عني، وجوايا ڼار بټحرق.
بعد الشغل، الجري عشان المحاضرات في جامعة بنها. وبعد المحاضرات، مذاكرة لحد ما تيجي عينيا تقفل. وفي الويك إند، شغل تاني في تنظيف مكاتب الشركات عشان أقدر أدفع الإيجار والأكل.
أكلت الإندومي لأيام طويلة، وشربت القهوة السادة عشان تخليني صاحية. جسمي