طليقي الملياردير
كريم، كنت فاكرة إنني بحافظ على مستواك وعلى اسم عيلتنا.. كنت خاېف إنك تتجوز واحدة مش من مستواك، خاېف إن الناس تتكلم عليك، خاېف إن حياتك تتدمر.. ومكنتش عارفة إن اللي بعمله ده غلط، ومكنتش عارفة إنني بأذي نفسي وأذيك وأذي كل الناس.. وآسفة.. آسفة قوي على كل حاجة، وآسفة إنني وصلتنا للحالة دي كلها.. وإن كان فيه مجال للعفو، أرجوكم تسامحوني.. وإن كان مفيش، فأنا مستحقة لكل كلمة قيلت وليا.
محدش رد عليها، محدش تكلم، محدش قال لها حاجة.. الكل سكت، والكل بيبصلها وبيفهم إنها دفعت تمن غرورها وجبروتها، وإن الحقيقة انكشفت وخلتها صغيرة قدام الكل.
المعازيم بدأوا يمشوا واحد ورا التاني، وكل واحد بيقول كلمة طيبة، أو نظرة احترام لينا، أو نظرة عتاب للحاجة إجلال.. والقاعة فضت بسرعة، ومفيش غيرنا، ومفيش غير الأوراق اللي كانت علامة على الحقيقة، ومفيش غير الذكريات اللي اتغيرت للأبد.
الجزء الرابع
خرجنا من القاعة، وأنا ماسكة إيدين التلاتة توائم، وكريم ماشي جنبي، وإيده ملفوفة حول كتافي، حاسس بالمسؤولية، حاسس بالحب، حاسس بالندم، حاسس بكل حاجة.. والدنيا كانت ليل، والسماء كانت صافية، والنجوم كانت بتنور طريقنا، وكأنها بتقول لنا إن الظلام انتهى، وإن النور جاء أخيراً.
ركبنا العربية الكبيرة، والعيال كانوا فرحانين قوي، بيضحكوا، بيتكلموا، بيسألوا باباهم أسئلة كتير، وكريم كان بيجاوبهم بكل حب واهتمام، وكان حاسس إنه عايش حلم جميل ومش عايزه يصحى منه أبداً.
في الطريق، كريم بص لي وقال لي
كنتِ عايشة فين كل السنين دي يا صفاء؟ وإزاي قدرتي تربيهم لوحدك؟ وإزاي وصلتي لكل ده؟.
رديت عليه بهدوء
عشت في شقة صغيرة في حي شعبي، بعيد قوي عن هنا، بعيد عن كل الناس اللي تعرفنا، عشان أضمن إن محدش يعرفني أو يعرف العيال.. وكنت بشتغل من الصبح لليل، بشتغل في أكتر من شغلانة عشان أقدر أصرف عليهم، وعشان أقدر أجيب لهم كل حاجة محتاجينها.. وكنت مستحملة كل تعب وكل ۏجع عشان خاطرهم، وعشان خاطرك، وعشان كنت عارفة إن يوم ما الحقيقة هتظهر، وإن يوم ما هنرجع لبعض.. وكل ده كان بيهون، كل ده كان بسيط قدام الأمل اللي كان جوايا.
دمعت عينيه تاني، وقال لي
أنتِ ست عظيمة يا صفاء.. وأنا محظوظ قوي إنك كنتِ ليا، وإنك فضلتي محافظة عليا وعلى عيالي كل السنين دي.. ومش هنسالك أبداً اللي عملتيه، ومش هنسالك تضحيتك دي طول عمري.
وصلنا لشقتي القديمة، الشقة الصغيرة البسيطة اللي كانت بيتنا سنين طويلة، واللي شافت كل وجعنا وكل أملنا وكل حبنا.. كريم ډخلها وبصلها بكل تفاصيلها، بصل للألعاب البسيطة، للكتب، للرسومات اللي كانت معلقة على الحيطان، لكل حاجة كانت بتقول له إن العيال دول كبروا هنا، وإنهم عاشوا هنا، وإنهم كانوا بخير بفضل ربنا وبفضل أمهما.
قعدنا كلنا مع بعض، وحكيت له كل حاجة، حكيت له لما جت أمه، لما هددتني، لما خوففتني، لما أجبرتني أختفي.. وحكى لي هو كمان كل حاجة، حكى لي إنه كان بيدور عليا، إنه كان بيسأل عني، إنه كان حاسس إن فيه حاجة غلط، إنه كان مش مصدق إنني سبتته ومشيت من غير سبب.. وحكى لي إنه كان مجبر على الجوازة دي، مجبر من أمه ومن عيلته، ومجبر بسبب العادات والتقاليد والمظاهر، وإنه مكنش عايزها، ومكنش قلبه معاها، ومكنش ناسياني أبداً.
عدت الأيام، وكريم كان كل يوم بيقضي معانا أكتر وأكتر، كان بيجي الصبح، ويمشي بالليل، وبيقضي كل وقته معانا، وبيحاول يعوض كل اللي فات،