طفلة في قاعة المحكمة

موقع أيام نيوز

في اللحظة اللي سمع فيها القاضي كلمة سړطان حس إن الدنيا كلها وقفت حواليه، وبقى صوت بنته اللي خارج من السماعة أبعد من أي حاجة سمعها في حياته، كان راجل طول عمره متعود يحكم بين الناس ويصدر قرارات تغير مصير عائلات كاملة، لكن لأول مرة حس إنه واقف عاجز قدام حقيقة تخصه هو، حقيقة إنه كان غايب عن حياة بنته وحفيدته لدرجة إنه ما يعرفش إن بنته بتحارب مرض خطېر لوحدها، سكتت القاعة كلها وبصت له، أما الطفلة فكانت واقفة بكل براءة ماسكة الموبايل ومش فاهمة ليه الكبار فجأة بقى شكلهم حزين، سألها بهدوء وهو بيحاول يسيطر على دموعه ماما بقالها قد إيه تعبانة؟ فردت الطفلة ببساطة الأطفال اللي بتوجع أكتر من أي كلام مش عارفة... بس ماما بقت تنام كتير وبقت تلبس الطرحة جوا البيت عشان شعرها وقع، في اللحظة دي نزل القاضي بعينه للأرض وحس بخنجر بيغرس في قلبه، لأنه افتكر آخر خناقة حصلت بينه وبين بنته قبل سنتين لما رفضت تتجوز الراجل اللي كان هو مختاره ليها، وقرر وقتها يقطع علاقته بيها بعد ما هي واجهته وقالت له إنها مش هتعيش حياتها على مزاجه، ومن يومها كل واحد عاش في عالم بعيد عن التاني، لكن محدش فيهم كان متخيل إن السنين دي كلها هتضيع في عناد وكبرياء، من الناحية التانية كانت بنته بتحاول تمنع نفسها من البكاء وهي بتقول في التليفون أنا ما كنتش عايزة أكلمك ولا أطلب منك حاجة، لكن النهارده الموضوع مش موضوعي، الموضوع موضوع بنتي، رد عليها بصوت مهزوز فين إنتِ دلوقتي؟ قالت في المستشفى... عندي جلسة علاج، حس إنه بيتقطع من جواه، وبص لمراته السابقة اللي كانت قاعدة ساكتة، فقالت له كنت فاكرة إنك هتعرف لوحدك، لكن واضح إنك كنت مشغول قوي بنفسك، فضل ساكت ثواني طويلة وبعدين قال للسكرتير يأجل كل الجلسات، استغرب الموجودين لأن دي أول مرة في تاريخ المحكمة يعمل كده، لكن محدش اتكلم، خرج من القاعة بسرعة ومعاه الطفلة وجدتها، وركب عربيته واتجه للمستشفى، طول الطريق كانت الطفلة بتحكي له عن أمها، عن الليالي اللي كانت بتصحى فيها تلاقي أمها بټعيط في المطبخ عشان ما حدش يشوفها، وعن المرات اللي كانت بتدعي فيها قبل النوم وتقول يا رب خفف تعب ماما، وكل كلمة كانت بتخلي قلبه يتكسر أكتر، ولما وصل المستشفى نزل يجري كأنه شاب صغير، ولأول مرة في حياته ما اهتمش بمنصبه ولا هيبته، كل اللي كان يهمه إنه يشوف بنته، وصل لغرفة العلاج وشافها قاعدة على الكرسي وجسمها أضعف بكتير من آخر مرة شافها فيها، كانت ملامحها شاحبة لكن عينيها لسه زي ما هما، أول ما دخل رفعت رأسها وبصت له، سكتوا هم الاتنين، كأن سنتين من الڠضب والۏجع والعتاب واقفين بينهم، وفجأة جريت الطفلة عليها وحضنتها وهي بتقول لقيت جدو، وقتها بس اڼهارت الأم وبكت، والقاضي قرب منها لأول مرة من سنين وقال بصوت مكسور سامحيني، الكلمة اللي عمره ما قالها لحد قبل كده، بصت له وهي بتحاول تمسح دموعها وقالت متأخر قوي، رد عليها عارف... لكن لو لسه فيه فرصة أصلح اللي ضاع أنا مستعد أعمل أي حاجة، ومن اليوم ده بدأ فصل جديد في حياتهم، القاضي استخدم كل علاقاته القانونية عشان يوقف قضية الحضانة اللي رفعها الأب، لكنه ما استغلش منصبه بشكل غير قانوني،

تم نسخ الرابط