طفلة في قاعة المحكمة
رغم التعب.
أنسى إزاي؟
كنت هتطردني من المحكمة؟
ضحك وقال
كنت محتاج أعمل كده.
بس ما عملتش.
لأنك أنقذتيني.
سكتت للحظة.
ثم قالت
لا يا جدو... إحنا اللي أنقذنا بعض.
نزلت دمعة من عينه لأول مرة من غير ما يحاول يخبيها.
لأنها كانت محقة.
بعد شهور من العلاج، عرفوا إن الوقت اللي فاضل له مش طويل.
ما كانش أيام قليلة.
لكن ما كانش عمرًا كاملًا كمان.
ولأول مرة، بدل ما ېخاف، حس بالسلام.
لأنه كان عارف إنه أصلح الحاجة الوحيدة اللي كانت هتوجعه لو رحل وسابها مکسورة.
وفي آخر عيد ميلاد حضره، اجتمعت العيلة كلها.
البيت كان مليان ضحك.
وأطفال.
وصور.
وذكريات.
وكان هو قاعد في المنتصف يتأمل الوجوه.
بص لبنته.
وبص لحفيدته.
وبص لكل الناس اللي بيحبهم.
وفجأة طلب منهم يسكتوا دقيقة.
الكل استغرب.
لكنهم نفذوا طلبه.
وقف بصعوبة.
واعتمد على عصاه.
ثم قال
طول عمري كنت فاكر إن النجاح هو المنصب... وإن القيمة في السلطة... وإن القوة في إن الناس تخاف منك.
وسكت لحظة.
ثم أكمل
لكن وأنا في آخر الطريق، اكتشفت إن كل ده ما يساويش حاجة لو رجعت البيت وما لقيتش حد مستنيك.
العيون كلها دمعت.
أما هو فابتسم وقال
لو الزمن رجع بيا، كنت هقضي وقت أقل في المحكمة... ووقت أكتر مع الناس اللي بحبهم.
ثم نظر لحفيدته مباشرة.
وأهم درس اتعلمته أخدته من طفلة سړقت موبايل.
اڼفجر الجميع ضاحكين وسط دموعهم.
لكن الضحك اتحول لبكاء بعد دقائق.
لأن الكل كان فاهم إن الكلام ده كان رسالة وداع.
وبالفعل...
بعد أشهر قليلة، رحل الجد بهدوء وهو نائم.
من غير ألم.
ومن غير معاناة طويلة.
رحل بعد ما اتصالح مع نفسه.
وبعد ما رجع لعيلته.
وبعد ما قال كل الكلام اللي كان لازم يتقال.
في يوم الچنازة، وقفت حفيدته قدام الناس كلها.
وكانت المرة الأولى اللي تتكلم فيها أمام جمع كبير.
سكت الجميع ليستمعوا لها.
أخذت نفسًا عميقًا وقالت
الناس كلها كانت تعرفه كقاضٍ عظيم... لكن أنا عرفته كجد علمني إن الإنسان مش بيتقاس بعدد انتصاراته... بيتقاس بعدد القلوب اللي أصلحها.
ثم ابتسمت وسط دموعها.
وأكملت
زمان كنت طفلة صغيرة سړقت موبايل عشان أكلم أمي... وما كنتش أعرف إن المكالمة دي هتغير مصير عيلة كاملة... لكن دلوقتي فهمت إن ربنا أحيانًا بيكتب أعظم النهايات من أصغر الأفعال.
وبكت.
وبكى معها الجميع.
أما أمها فكانت واقفة تنظر إلى السماء.
وتبتسم.
لأنها كانت تعرف أن الرجل الذي رحل لم يعد ذلك الأب المتكبر الذي فقدته يومًا.
الرجل الذي رحل كان أبًا عاد إليها.
وجدًا أحب حفيدته بكل قلبه.
وإنسانًا تعلم متأخرًا أن الحب أهم من الكبرياء.
ومع مرور السنوات، ظلت صورة الجد معلقة في البيت.
وكلما سأل طفل جديد من أفراد العائلة عن حكايته، كانوا يشيرون إلى الصورة ويقولون
شايف الراجل ده؟ حياته كلها اتغيرت بسبب مكالمة تليفون واحدة.
وعندها كانت الحفيدة تبتسم دائمًا وتضيف الجملة التي أصبحت أشهر جملة في العائلة كلها
مش كل سړقة بتضيع حاجة... أحيانًا سړقة صغيرة بترجع عيلة كاملة لبعض.
وهكذا انتهت الحكاية...
لا بانتصار قاضٍ.
ولا بانتصار قضية.
ولا حتى بانتصار شخص على شخص.
لكن بانتصار الرحمة على القسۏة...
والحب على الكبرياء...
والعائلة على كل شيء.