طفلة في قاعة المحكمة

موقع أيام نيوز

شرفة المنزل يشاهدون الغروب، كانت الطفلة قد أصبحت فتاة يافعة، والأم تستعيد شبابها، والجد صار شعره أكثر بياضًا لكنه بدا أكثر سعادة من أي وقت مضى، وفجأة قالت الفتاة وهي تنظر إلى السماء تخيلوا لو ما كنتش أخدت الموبايل يومها، سكتوا جميعًا للحظة، لأنهم أدركوا أن حياتهم كلها ربما كانت ستسير في اتجاه مختلف تمامًا، ربما كان الچرح سيكبر، وربما كان الفراق سيطول، وربما كانت كلمات كثيرة ستبقى حبيسة القلوب إلى الأبد.
ابتسم الجد وقال أحيانًا ربنا بيبعت لنا فرصة صغيرة جدًا، لدرجة إننا ما نلاحظهاش، لكن الفرصة دي ممكن تغيّر عمر كامل، نظرت إليه حفيدته وابتسمت، ثم أسندت رأسها على كتفه، بينما جلست أمها بجوارهما تنظر إليهما بعينين مليئتين بالامتنان، لأنها كانت تعرف أكثر من أي شخص آخر أن المعجزة الحقيقية لم تكن الشفاء من المړض، ولا الفوز بالقضية، ولا حتى عودة الأب الغائب، المعجزة الحقيقية كانت أن الحب انتصر في النهاية على الخۏف والكبرياء والوقت الضائع، وأن عائلة كادت أن تضيع إلى الأبد وجدت طريقها للعودة من جديد.
بعد سنين طويلة من اليوم اللي دخلت فيه الطفلة المحكمة وموبايل المحامي في إيدها، بقت الحكاية نفسها شبه أسطورة صغيرة جوه العيلة، حكاية كل واحد كان بيحكيها بطريقته، لكن الحقيقة اللي ماحدش كان يقدر ينكرها إن اليوم ده أنقذ أكتر من شخص، أنقذ أم كانت بتحارب المړض لوحدها، وأنقذ طفلة كانت ممكن تكبر وهي فاكرة إن جدها ماحبهاش، وأنقذ راجل قضى عمره كله بيصدر أحكام على الناس من غير ما يحاكم نفسه ولو مرة واحدة.
كبرت البنت سنة ورا سنة، وبقت متفوقة في دراستها بشكل لافت، لكن اللي كان يميزها أكتر من أي حاجة إنها كانت دايمًا بتشوف الناس بعيون مختلفة، كانت تسمع مشاكل أصحابها وتحاول تساعدهم، وكانت أول واحدة تدافع عن أي طفل بيتعرض للتنمر أو الظلم، وكل ما حد يسألها ليه بتعملي كده كانت تبتسم وتقول
عشان أنا شفت بعيني إن كلمة واحدة ممكن تغير حياة إنسان.
أما أمها، فبعد ما استعادت صحتها بالكامل، بقت واحدة من أشهر المتخصصين في دعم الأسر اللي بتمر بأزمات صعبة، وكانت قصتها مصدر إلهام لناس كتير، لكن رغم النجاح والشهرة، عمرها ما نسيت الأيام اللي كانت بتدخل فيها المستشفى وهي خاېفة من نتيجة التحاليل، وعمرها ما نسيت إنها في يوم من الأيام كانت على وشك تخسر كل حاجة.
أما الجد، فكان أكتر واحد اتغير.
الراجل اللي كان معروف بالقسۏة والانضباط الشديد بقى شخص مختلف تمامًا.
بقى يضحك أكتر.
يسامح أسرع.
ويسمع قبل ما يتكلم.
وكل ما حد من أصحابه القدامى يستغرب التغيير ده كان يقول
الإنسان ممكن يقضي عمره كله فاكر إنه صح... ويكتشف في دقيقة واحدة إنه كان غلطان في أهم حاجة.
لكن الحياة، زي ما جمعتهم من جديد، كانت بتحضر لهم اختبار أخير.
في شتاء بارد بعد سنوات طويلة، بدأ الجد يحس بتعب غريب.
في البداية حاول يخفي الموضوع.
قال إنه إرهاق عادي.
وقال إنها أعراض سن.
لكن الحقيقة كانت غير كده.
الفحوصات كشفت إنه بيعاني من مشكلة خطېرة في القلب.
ولأول مرة بقى هو المړيض.
هو اللي بيقعد في غرفة الانتظار.
هو اللي بيستنى نتيجة التحاليل.
هو اللي بيسمع الأطباء بيتكلموا عنه.
وقتها افتكر بنته.
افتكر كل لحظة كانت خاېفة فيها وهو بعيد.
وكل دمعة نزلت منها وهو مش موجود.
وفي يوم، وهو قاعد في المستشفى، دخلت عليه حفيدته.
ما كانتش طفلة صغيرة وقتها.
كانت شابة جميلة وقوية.
قعدت جنبه ومسكِت إيده وقالت
فاكر أول مرة شفتني؟
ابتسم
تم نسخ الرابط