طفلة في قاعة المحكمة
المحتويات
مليان حياة من جديد، لكن الحياة عمرها ما بتمشي في طريق مستقيم، وبعد شهور من الهدوء حصل شيء محدش كان متوقعه.
في يوم من الأيام رجعت البنت من المدرسة وهي ساكتة على غير عادتها، حاولت أمها تعرف مالها لكنها رفضت تتكلم، وبعد إلحاح طويل بدأت تبكي وقالت إن واحدة من البنات في الفصل قالت لها إن أمها كانت مريضة جدًا وممكن المړض يرجع تاني في أي وقت وټموت، وقتها حضنتها أمها وحاولت تطمنها، لكن الخۏف اللي دخل قلب الطفلة كان أكبر من أي كلام، ومن اليوم ده بدأت تفضل تصحى بالليل عشان تتأكد إن أمها لسه نايمة جنبها وبتتنفس، ولو صحيت وملاقتهاش كانت تجري تدور عليها في البيت وهي مړعوپة.
لاحظ الجد الموضوع، ولأول مرة فهم إن المړض ما بيسيبش أثره في جسم المړيض بس، لكنه بيسيب چروح في قلوب اللي حواليه كمان، فقرر يعمل حاجة مختلفة، أخد حفيدته في رحلة قصيرة بعيد عن المدينة، راحوا مكان هادي فيه شجر وبحيرة صغيرة، وقعد معاها ساعات طويلة يحكي لها عن خوفه هو كمان، اعترف لها إنه كان مړعوپ يوم عرف بمرض أمها، وإنه كان بيصحى كل يوم خاېف يسمع خبر وحش، وإن الشجاعة مش معناها إن الإنسان ما يخافش، الشجاعة الحقيقية إنه يكمل رغم الخۏف، البنت فضلت تسمعه بعينيها الواسعتين، ولأول مرة بدأت تفهم إن الكبار مش أبطال خارقين، وإنهم بيتوجعوا ويخافوا زي الأطفال بالضبط.
مرت الأيام وتحسنت حالتها النفسية، لكن المفاجأة الأكبر كانت لما الأم قررت ترجع تشتغل من جديد، بعد فترة طويلة قضتها بين المستشفيات والعلاج، كانت خاېفة إنها ما تقدرش تبدأ من الصفر، لكن أبوها وقف جنبها خطوة بخطوة، وساعدها تفتح مكتب صغير للاستشارات الأسرية، لأنها كانت عايزة تساعد الناس اللي بيمروا بنفس الألم اللي مرت به، ومع الوقت بدأ المكتب ينجح بشكل أكبر مما تخيلت، وأصبحت تسمع قصصًا كثيرة عن أمهات وآباء وأطفال تفرقت قلوبهم بسبب العناد والكبرياء، وكل مرة كانت تحكي لهم قصتها كانت تشوف الأمل بيرجع لعينيهم.
وفي أحد الأيام دخلت امرأة كبيرة في السن إلى المكتب، كانت مڼهارة وتبكي، قالت إنها لم تر ابنها منذ عشر سنوات بسبب خلاف قديم، وإنها حاولت تكلمه عشرات المرات لكنه يرفض، جلست الأم تسمع لها بصبر، ثم ابتسمت وقالت أنا وأبويا ضيعنا سنتين كاملين بسبب العناد، وكنت فاكرة إن الوقت لسه طويل، لكن لما المړض دخل حياتي اكتشفت إن الوقت ممكن يخلص في أي لحظة، تأثرت السيدة بكلامها وغادرت وهي تحمل أملًا جديدًا.
بعد أسابيع قليلة تلقت الأم رسالة منها، تخبرها أنها تصالحت مع ابنها أخيرًا، وأنهما اجتمعا لأول مرة منذ سنوات، وقتها جلست الأم تبكي من الفرح، لأنها شعرت أن كل الألم الذي مرت به لم يذهب هباءً.
أما الطفلة فكبرت سنة بعد سنة، وظلت قصة الموبايل المسروق أشهر حكاية في العائلة كلها، وكل مناسبة كانوا يحكوها ويضحكوا، وكانت هي تعترض دائمًا وتقول إنها لم تكن سړقة بل استعارة مؤقتة لإنقاذ العائلة، فينفجر الجميع من الضحك.
ومع مرور الوقت بدأ شعر الأم ينمو من جديد، وعادت صحتها تدريجيًا، وصارت تمارس الرياضة وتسافر وتعيش حياة كانت تظن يومًا أنها فقدتها إلى الأبد، أما الجد فقرر التقاعد قبل الموعد الذي كان مخططًا له، لأنه أدرك أن السنوات المتبقية من عمره يريد أن يقضيها مع عائلته لا بين الملفات والقضايا.
وفي ليلة هادئة بعد سنوات، جلس الثلاثة على
متابعة القراءة