بنت الجنايني

موقع أيام نيوز

بتاعتنا لكمين مسلّح غادر. اتصبت أنا بإصابة بالغة في رجلي، وزمايلنا اتصابوا، واللاسلكي تدمر.
سكت اللواء عبد الرحمن لحظة، وبص لأبويا بنظرة امتان عميقة، وواصل كلامه في الوقت اللي كلنا كنا بنستعد فيه للمۏت، عماد ما استسلمش. عماد زحف لمسافة تلاتة كيلو تحت النيران المباشرة وهو شايلني على ضهره، وهو نفسه مصاپ بشظايا في ضهره وفي إيده. وصل بيا لموقع الدعم، وقدر يصلح محرك سيارة إسعاف عسكرية كانت معطلة تحت القصف، ونقل باقي المصابين للمستشفى العسكري. عماد أنقذ حياة فرقة كاملة من تسع جنود وضباط، وأنا أولهم.
الناس في القاعة بدأت تتنفس بصوت عالي. المعازيم اللي كانوا وطيوا رأسهم خجلًا من كلام طارق، بدأوا يرفعوا رأسهم ويجيبوا عينيهم في عينين أبويا بنظرات ذهول وافتخار.
اللواء واصل ولما النيابة العسكرية وقيادة الجيش قررت تكرمه وتمنحه رتبة استثنائية ووسام رئيس الجمهورية، عماد اختفى! البطل بعد ما اتعالج في المستشفى، صابته حالة زهد شديدة، ورفض ياخد أي مقابل لواجبه. أمك يا هدى اټوفت بعد الأزمة دي بسنة، وعماد اختار ينسحب من كل الضوضاء، وياخدك ويروح منطقة هادية، يشتغل بإيده في التراب والزرع، يربيكي من عرق جبينه الحلال البعيد عن أي أضواء أو استغلال لبطولاته. فضلت أفتش عليه تلاتين سنة.. والنهارده بس، الرئاسة اعتمدت ملف التسوية النهائية للبطولات المنسية، وصدر قرار رسمي بتكريمه وصرف كل مستحقاته الاستثنائية كبطل حرب ومؤسس لشبكة الإمداد.
طارق كان واقف، وجهه بقى أصفر زي الورق الذابل. أمه كانت بتحاول تبلع ريقها ومش عارفة، وأبوه وشّه اتغير تماماً وبدأ يبص لطارق پغضب حارق.
اللواء عبد الرحمن الټفت لأبويا وقال يا عماد... مصر مش بتنسى ولادها. والدولة مش بس بتبحث عنك عشان تديك أوسمتك، الدولة بتسلمك النهارده قرار تخصيص أرض ومؤسسة هندسية كاملة لإدارة المشاريع الزراعية القومية باسمك، بالإضافة لتسوية مالية بأثر رجعي تليق بقيمة بطل عاش مظلوم وصابر.
الجزء الرابع انقلاب الموازين
الكلمات نزلت على القاعة زي الصاعقة. القاعة البسيطة اللي كانت أخت طارق وأمه شايفينها مكان شعبية ما يليقش بيهم، تحولت في لحظة لساحة تكريم عسكري رفيع المستوى. الشباب اللي علقوا الزينة والأضواء بدأوا يصفقوا بظلم وحماس، وستات المنطقة اللي طبخوا الأكل بدأوا يزغردوا بصوت هز الأرجاء.
أنا بصيت لأبويا. كان واقف والدموع نازلة على خدوده، بس المرة دي مش دموع انكسار ولا حزن... كانت دموع كبرياء ورضا. النور اللي في عينيه رد له كرامته قدام كل اللي حاولوا يجرحوه. مسكت إيده وقبلتها قدام الكل، وقلتله بصوت مسموع أنا طول عمري فخورة بيك يا بابا... والنهارده كل العالم عارف مين هو عماد الجنايني!
في اللحظة دي، طارق استوعب الحجم الكارثي للغلطة اللي ارتكبها. الراجل اللي كان شايفه جنايني فقير وملوش قيمة، طلع بطل قومي، وعنده تكريم وتدفقات مالية ومؤسسة كاملة باسمه، وعنده ظهر وثيق في أعلى مؤسسات الدولة!
طارق حط الميكروفون على الطاولة بسرعة، وقرب خطوات من أبويا، وملامح وجهه اتغيرت من الغرور والاحتقار للتوسل والتذلل. قال بصوت مرتجف عمي عماد... أستاذ عماد! أنا أسف جداً! أنا والله ما كنتش اعرف.. أنا كنت متوتر بس والضغط العصبي بتاع الفرح خلاني أقول كلام مش أقصدوا! هدى يا حبيبتي.. أنتِ عارفة أنا بحبك قد إيه، المأذون بره وفي انتظارنا، يلا نكتب الكتاب وننسى اللي حصل ده، ده كان مجرد سوء فهم بسيط!
أمه قربت هي كمان، وابتسامتها الصفراء رجعت على وجهها، وقالت بصوت ناعم يقطر نفاقاً أيوة يا حبيبتي يا هدى..
تم نسخ الرابط