بنت الجنايني
دي، دخل أبويا المكتب. كان لابس زيه الأنيق، ووجهه منور بالإيمان والرضا. أول ما طارق شافه، زحف على الأرض تحت رجلين أبويا وهو پيصرخ سامحني يا أستاذ عماد! ابوس رجلك سامحني!
أبويا مسك طارق من دراعه ورفعه لفوق بقوة، وقال له بنبرة ألم ورحمة في نفس الوقت قوم يا طارق.. ما فيش راجل يوطي لراجل زيه كده. أنا سامحتك كإنسان، لأن ديني بيأمرني بالعفو عند المقدرة، وأنا ما فيش في قلبي غل لأحد. لكن النتائج القانونية والديون وفصلك من شغلك، دي نتيجة أفعالك وقوانين الدنيا اللي أنت اخترت تتحدى بيها ناس غلابة. اللي بيزرع شوك ما يجنيش ورد يا ابني.
أبويا بص للباب وقال للسكرتير وصل المهندس طارق لبره وبلاها زيارات هنا تاني.
خرج طارق من المبنى كأنه شبح، راجل خسر كل حاجة في لحظة غرور واحدة، وأدرك إن الشرف والكرامة مش كلمات بيتقالوا، دي قيمة حقيقية بيعيش بيها الإنسان أو بېموت بسبها.
تلك الليلة، قعدنا أنا وأبويا في حديقة بيتنا الجديد. الشجر كان بيهتز مع الهواء الخفيف، وأبويا كان ماسك المقص الصغير بتاعه، وبيسوي أطراف شجرة ورد بلدي صغيرة كان زارعها بإيده في الحديقة.
بصلي وابتسم وقال عارفة يا هدى.. الأرض دي زي البني آدمين بالضبط. الشجرة اللي جذورها في الطين والتراب وعرق الأرض، هي اللي بتكبر وبتطلع ورد جميل وبتصمد قدام الرياح. أما الشجرة الناشفة اللي متزوقة من بره ومطبوعة على غرار باطل، أول شوية هوا بيقلعوها من جذورها.
ابتسمت وضميت إيد أبويا الشقيانة اللي مليانة شقوق، الإيدين اللي بعتز بيهم أكتر من أي كنوز في الدنيا.
الجزء العاشر الفرح الحقيقي والأمل الجديد
عدت الأيام والشهور، وأصبحت المؤسسة الزراعية اللي بدأنها تحت قيادة أبويا وإشراف الهيئة العسكرية واحدة من أكبر المشروعات الناجحة في مصر. بدأت استصلح أراضي جديدة وأزرع الخير في كل مكان، وأبويا بقى رمزا للأمل لكل العمال والمزارعين الشرفاء في كل أنحاء البلد.
وفي يوم من أيام الربيع، أقيمت احتفالية ضخمة في مقر المشروع بمناسبة افتتاح المرحلة الأولى. الحفل كان يحضره كبار المسؤولين، واللواء عبد الرحمن، وكل الجيران والأهل من منطقتنا القديمة الشعبية اللي أبويا رفض ينسى أصلهم أو يتخلى عنهم.
وفي وسط الحفل، تقدم شاب مهندس محترم يدعى أحمد، كان شغال معنا في المشروع من بدايته. شاب عصامي، خلوق، متربي على احترام الكبير وعرق الجبين. أحمد كان بيحبني في الصمت من شهور، وقرر في اليوم ده، وقدام اللواء عبد الرحمن وأبويا وكل الحاضرين، إنه يتقدم لي رسمياً.
أحمد وقف قدام أبويا، وبص في عينيه بكل احترام وقال بصوت مسموع قدام الكل يا أستاذ عماد... أنا طالب إيد الكريمة هدى. أنا معنديش قصور ولا طائرات، لكن عندي إيدين شريفة مستعدة تشتغل ليل نهار عشان تصونها، وعندي قلب بيعرف قيمة البطل اللي رباها.
أبويا بصلي والدموع في عينيه، وابتسم ابتسامة رضا كبيرة. أنا بصيت لأحمد وهزيت رأسي بالموافقة، وأنا حاسة إن ربنا عوضني وعوض أبويا عن كل لحظة ۏجع أو إهانة مرت علينا.
كتبنا الكتاب في نفس اليوم، وفي نفس الأجواء الشعبية الحقيقية اللي المودة والشرف بيميزوها. والمرة دي، ما كانش فيه ميكروفون للإهانة، ولا كان فيه غرور ولا كبر. كان فيه زغاريد حقيقية طالعة من القلوب، وحب كبير يملأ المكان.
أبويا وقف في وسط القاعة، ورفع رأسه للسماء وقال الحمد لله الذي أعزنا بالحلال، ورفع قدرنا بالصبر، وأشهدنا إن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
وهنا انتهت قصتي مع خطيبي السابق طارق،
لتكون درساً خالداً لكل من يتكبر على خلق الله بعرض من الدنيا زائل إن المظاهر تذهب وتبقى المعادن النفيسة، وإن بنت الجنايني الشريف تاج على رأس كل من يعرف قيمة الرجال الأبطال.
تمت بحمد الله.